3ain Saqr

Flower

شيءٌ من الفلسفة

sea001

( تلتقي ديانات الشرق كلها في وجهة نظر واحدة ، مؤداها أن للكون روحاً واحداً أزلياً أبدياً ، تنبثق منه هذه الكائنات الأفراد لتقيم على السطح الظاهر حيناً ، ثم تعود فتندمج كما كانت في ذلك الروح الواحد الخالد . وإن هذه الكائنات التي تمر كأنها الظلال لهي من التنوع والكثرة بحيث يجوز لنا أن نتصور الجوهر الكوني أماً ولوداً، ما تنفك تخرج من جوفها ألوف الصور ، ثم لا تلبث أن تعيد ما أخرجته إلى جوفها من جديد : إنها تخرج الفضيلة والرذيلة معاً ، والجمال والقبح ، والتقوى والفجور ، ومن جوفها يخرج الغضب والجشع والفتك والإجرام ، ومن جوفها كذلك يخرج صفاء القديسين ونقاء الأطهار . لكن جانب الفضيلة هذا إنما يخرج ليكون صورة معبرة عن روح العالم وهو في سكونه وصمته ، لأن السكينة والصمت هما من الكون جانبه الأبدي الذي لا تفسده العواطف والانفعالات والكدح العابث المغرور .

وروح العالم إذ يعبرعن نفسه في كلتا الصورتين : صورة الطمع والجشع والتناحر والقتال ، وصورة العفة والترفع والسكينة والصمت والتأمل ، إنما يهيئ للإنسان بذلك سبيلاً لتحقيق حريته بمعناها الصحيح . ولو استطاع الإنسان أن ينجو من تيار الحياة العملية المضطربة ليخلد إلى ذات نفسه في سكينة وتأمل ، لاستطاع أن يحقق لنفسه الحرية بمعناها القويم .

كثيراً ما يتهم الغربيون أهل الشرق بأنهم قد فرضوا على أنفسهم الأغلال التي تحدّ من حريتهم ، باعتقادهم في القدر المحدد المرسوم ، مع أننا لو تعقبنا النظرة العلمية الغربية والنظرة الشرقية الصوفية إلى أصولهما ، لتبين أن مغلول الحرية هو صاحب النظرة الأولى . أليس العلم عند أصحاب النظرة العلمية منتهياً بهم إلى معرفة العالم معرفة كاملة ؟ وإذا كان الأمر كذلك ، أفلا يكون معنى هذا هو أن العالم قد خرج كله إلى دنيا التحقق الفعلي ، فتحددت صفاته وخصائصه ، وما علينا بعد ذلك إلا أن نرفع النقاب عن هذه الخصائص والصفات لنحيط بكل شيء علماً؟ أين إذن تكون الحرية في تغيير ما هو كائن بالفعل ؟

فقد يستقل المسافر الغربي في مدينة شرقية سيارة ساعة معينة ، حاسباً حسابه بأنه سيبلغ جهته المقصودة في كذا من الدقائق ، وكم تكون دهشته حين يسأل السائق الشرقي : ألا تكفينا عشر دقائق لنقطع المسافة إلى المكان الفلاني ؟ فيجيبه السائق الشرقي بما معناه ” إن شاء الله ” ! لأن الشرقي في صميمه يحس أن مجرى الأمور معرض للتغير ، ولا يدعي حسابه حساباً دقيقاً إلا جاهل . فأي هاتين النظرتين تتمشى مع الحرية الحقيقية ، وأيها يناقضها ؟

أيكون الغربي مؤمناً بالحرية الكونية حين يزعم أن الأمور دقيقها وجليلها قد رسمت رسماً لا سبيل إلى تغييره وتحويره ؟ أم يكون الشرقي مؤمناً بالقدر المغلق المقفل حين يتصور أن الأمور تحتمل أن تجري على غير ما حسب لها الحاسبون ؟

الفرق بين الرجلين هو هذا : رجل يعطي الحرية للإنسان الفرد ويسلبها من الكون في مجموعه ، وآخر يعطي الحرية للكون في مجموعه بما فيه الإنسان باعتباره جزءاً منه ، ويسلبها من الإنسان الفرد من حيث هو فرد منعزل مستقل عن الكون العظيم).

د. زكي نجيب محمود / من كتاب : الشرق الفنان

* * * * * *


النجوم وأرصفة الحياة


Copy of فيروز


الإنسان كائن عجيب !ا

تراه في عموم أيام حياته يمشي في (ظل الحا ئط)، متسربلاً بالاعتيادية، مرتدياً نمطيته وملامحه اليومية التي لا تنفك ترتسم أمامه بالمرآة حدّ الملل! تراه فلا تعيره انتباهاً، إلا إذا أعرتَ السابلة والسائرين الكثر على أرصفة الحياة نظرة أخرى!
ولعل نصيب أصحاب المظهر الاعتيادي أو الأقل من اعتيادي، يتضاءل في زحمة الحياة، فلا يعرهم أحد التفاتاً أو نظرة ثانية، خاصة إذا تزامن مظهرهم الاعتيادي مع زهد في الإعلان عن الذات بشتى وسائله الكلامية أو السلوكية.
العجيب أن معظم هؤلاء المتقشفين في المظهر والسلوك، هم من ألمع العقول، والأقدر على الإبداع ورفد الحياة بالمنجزات في شتى مجالاتها!
تُرى لو رأيتَ وأنت سائر في طريق الحياة الجاحظ وهو يقلب مخطوطاً في مكتبة عامة، أو مررتَ بنجيب محفوظ وهو ينزوي وراء نظارته السوداء في (ستار بكس)، أو لمحتَ خيال بدر شاكر السياب في نحوله يجرّ ساقيه جراً وهو يقطع الشارع، أو صادفت فان جوخ في شحوبه وتهافته في (سوبر ماركت) وهو يكلم نفسه ويشتم، أو اصطدمتَ بكتف (عبده خال) في سوق السمك، ولم تكن تعرف أياً منهم، فهل ستدرك في تلك اللحظة الخاطفة مَنْ هؤلاء؟ أم ستسقط لحظتك الباهرة كقطرة ماء هينة في نهر يومك اللاهث بالروتين واللامبالاة؟
قد تكون معذوراً في هذه (اللامبالاة)، فالحق أن هؤلاء وغيرهم من المؤثرين والمتميزين لهم لحظاتهم المبهرة، التي يخرجون فيها من الاعتيادية والنمطية في التفكير والسلوك، فتنشقّ لهم تلك العتمة ويسطعون كانفجار نجم. ربما للحظة أو يوم أو بضعة أيام أو شهور، هي عمر ما يسمى لحظة اللإلهام أو التجلي. ولكنهم سرعان ما يخفتون وتبرد جذوتهم، فيعودون إلى الاعتيادية، والسير في الطرقات مع السابلة والمارة الذين لا يعرفهم أحد.
بل إن أمر الحياة المعيشة لهؤلاء قد تزداد وطأة، فمعظمهم – خارج لحظته المبهرة- قد يبدو متحفظاً أو خجلاً، أو باهتاً حدّ السقم، أو متهافتاً هشاً لا تستقيم له مقولة أو فكرة أمام الكاميرات أو الجمهور، فيفضل الانزواء خشية من هذا الحرج. والأمثلة على ذلك كثيرة. فنحن لم نشهد على الإطلاق (فيروز) أو (فاتن حمامة) أو(نازك الملائكة) أو (غادة السمان) في مقابلة تلفزيونية مسجلة أو بث إذاعي قط!! وهن من هن، كلّ في مجالها! وعُرف عن أحمد شوقي وإبراهيم ناجي والمازني خجلهم المفرط في مواجهة الجمهور، فاستعان شوقي وهو (أمير الشعراء) بمن يلقي قصائده في المحافل والمناسبات! أما الإعلامي المعروف مفيد فوزي، فقد صرح في أكثر من مقابلة معه، بأنه يعاني من الخجل والانكفاء على الذات خارج إطار الكاميرا. وقد عبر عن ذلك بأنه في الحياة العامة يبدو باهتاً حيياً لا يجلس إلا على أطراف المجالس كأي نكرة، منكفئاً على تحفظه ووحدته.
وقد شهدتُ شخصياً مجموعة من المقابلات، ضمن برنامج (اوبرا) الجماهيري، مع نجوم الغناء والتمثيل، ممن ملأوا الساحة ضخباً وإبداعاً، فبدوا أثناء المقابلات باهتين متلعثمين، يتململون اضطراباً أو خجلا، وقد غادرتهم هالة الإبهار التي طالما كانت علامة مميزة في مسيرتهم الفنية. من هؤلاء مايكل جاكسون، وسيلين ديون ذات الصوت الخارق والأداء المؤثر، ونيكول كدمان الفائزة بالأوسكار عن أدوارها المميزة، وخاصة دورها في تجسيد شخصية فرجينيا وولف في فيلم (الساعات). وتينا تيرنر التي تربعت على عرش موسيقى البوب منذ الثمانينات، وغيرهم كثير.
تلك هي أطوار المبدعين وبعض من غرائبيتهم. وعلى الضفة الأخرى من الحياة، خارج إطار الموهبة والتميّز، هناك من يملأ الحياة صخباً وهرجاً، وهو فارغ كالطبل، عقيم كحشفة بالية!!
فسبحان الله مبدع الإنسان، ومقسّم الأرزاق


صحيفة أوان – 2010/4/24


*  *  *  *  *  *  *

ركام

Lot71_Influences_Image14

لا بُدّ من زمنٍ

غير هذا الزمان

كيما نكونَ ونتبرعم


لا بدّ من عُمْرٍ

غير هذا العُمْر

ومكانٍ غير هذا المكان

وأفق أوسع لبزوغنا

ولبذرتنا . . أرضٌ أخرى

وماءٌ آخر

…………

متى تقومُ

قيامة هذا الركام القديم ؟

ويُنفخُ في الصور

لتورقَ عظامنا ؟!


* * * * *

بحيرة البجع . . أصالة متجددة

LesSylKentms

بعد ما يزيد عن مائة وخمسة وثلاثين عاماً من إبداع موسيقى بحيرة البجع ، ما يزال تشيكوفسكي الموسيقار الروسي يملأنا بالإعجاب والدهشة ، كلما علمنا بأن عروض باليه بحيرة البجع وموسيقاه ، ما تزالان من أكثر الفنون مشاهدة وحضوراً في معظم عواصم العالم المتحضر ، لدرجة أن السائح لا يستطيع الحصول على تذكرة لحضور العرض ، ما لم يكن لديه حجز مسبق منذ بضعة شهور !ا


وأصل حكاية بحيرة البجع تعود في جذورها إلى مزيج من حكايات الفلكلور الشعبي الروسي والألماني . وملخص هذه الحكاية ، يدور حول الشخصية الأساسية ، وهي الأميرة أوديت التي تقع ضحية للساحر الشرير روثبار ، الذي يصيبها بلعنة سوداء تقضي بأن تتحول أوديت إلى طائر بجع في النهار ، ، ثم تعود إلى طبيعتها الآدمية في الليل . وبسبب هذا الوضع تضطر أوديت أن تقضي نهارها كل يوم سابحة في بحيرة تكونت من دموع أمها المفجوعة ، وبصحبتها مجموعة من صويحباتها اللاتي أصابتهن آثار تلك اللعنة ..ا

وتظل أوديت أسيرة لتلك اللعنة التي لا يمكن أن تتحرر منها إلا إذا وقع شاب وسيم في حبها ، وأقسم لها على الإخلاص الأبدي ، وإلا فإنها سوف تظل في هيئة طائر البجع إلى الأبد . ويحدث أن يمر أمير جميل أثناء رحلة صيد بالجوار ، فيرى أوديت بهيئتها الآدمية ويقع في حبها . ولكنها تصدقه القول في مسألة اللعنة التي أصابتها ، فيصر على حبها رغماً عن ذلك ، ويصحبها معه للرقص في قصره . وما أن بزغ الفجر حتى تحولت أوديت إلى بجعة ، فانسلت بهدوء إلى بحيرتها . وهنا استغل الساحر الشرير هذه اللحظة وحوّل ابنته إلى صورة طبق الأصل من أوديت ، ودفعها إلى الأمير الذي اختلط عليه الأمر ، وظن أن من بين يديه هي أوديت ..ا


وهنا تأتي عقدة الحكاية حين ترى أوديت بعينيها خيانة حبيبها ، وتكتمل فصول اللعنة ببقائها على هيئة طائر البجع إلى الأبد . وفي خضم البحث عن انفراج للحكاية ، يأتي الحل الأخير والممكن لالتقاء الحبيبين ، وذلك بأن تموت أوديت ليتحقق الخلود لروحها المعذبة . وهنا يقرر الأمير أن يموت معها انتصاراً للحب . وهكذا يتجه العاشقان للبحيرة ويغطسان فيها ليموتا معاً ، ثم يُبعثا في عالم آخر أكثر روعة وخلوداً .

تلك هي الحكاية . . . ولكن الفن يأتي ليحيل الخيال اللطيف فيها إلى فسحة هائلة من المتعة الأصيلة المتجددة . .فيُكتب الخلود ، ليس فقط لروح عاشقين خياليين ، وإنما لهذه الأيقونة من الإبداع الإنساني الرفيع

*  *   *    *    *    *    *    *

إلى المسافر مع الفجر

alone


(في ذكرى رحيله الأولى)

بعض المسافرين للغيابْ

يحجزونْ

تذاكر السفرْ

يُحضّرون عُدةَ الرحيلْ

يرتبون الكتْبَ والثيابْ

ويقصدونْ

محطة القطارْ

ينتظرون ساعة الصفيرْ

……………………

بعضُ المسافرينَ يهجسونْ

بوجهة السفَرْ

ويرمقون ساعةَ المغيبْ

قطارُهم وراءهم يزعقُ بالهديرْ

في آخر الممرْ

…………………….

إلاكَ يا مسافر الصباحْ

كنتَ هنا مستلقياً في المقعد الأثيرْ

تسامرُ الأوقات حيثما  يأخذها المسير

وترمق الحياةَ في المدى

غزالةً شاردةً في روضة الأقاحْ

……………….

كنتَ هنا

تشاكسُ الأوجاعَ بالدعابة

وتُبدلُ البسمة بالكآبة

وومضة المرحْ

تنبعُ من عينيكَ كالغديرْ

وحولك الأحفادُ والعيالْ

- تبارك الرحمن – يقفزونْ

باللهو والفرحْ

تحرسهم – يا سعدَهم – بظلكَ الكبيرْ

…………………..

كنتَ هنا . . ولم تزلْ

في الجو ، في النسيم ، في المُقَلْ

في بسمة الصغارِ ، في سعفات النخلِ ، في البكور

في هدأة المساء ، دندنات الشاي ، في البخورْ


أنتَ هنا لما تزلْ

تجوسُ في غرفات بيتك الكبيرْ

تشتَمّكَ الجدرانُ والسريرْ

والبابُ والأحواشُ والنخيلْ

والأهلُ والصِحابُ والرفيقةْ

يشتاقكَ الفنجانُ في المسا ، تشتاقكَ الحديقةْ

………………………

يا وحشةَ الغياب ، يا رفيقة المهموم ، يا طريقه

يا وشوشات الدمع ، يا عذوبة التذكارْ

من يقطفُ الأحلامَ والأفكارَ من يديه

ليزدهي على المدى

مشوارهُ الجميلْ

…………………………

أنت هنا … ولم تزلْ

يا نغمة الأثير والوترْ

معلقاً كشهقةٍ لم تكتمِلْ

كنخلة مثقلة الأعذاق بالثمرْ

والعُمُرِ اليانع والتذكّر الجميلْ

والكدحِ والكفاحِ والرجولة

كأننا في ظلكَ الظليل لم نزلْ

في مَدْرَج الطفولة

نشخصُ للبحر وللشموسْ

في روعة الأصيلْ

………………………..

قطاركَ الذي أتى في آخر الربيع

مستعجلاً ، كطائر مرتعش الجناح في المطرْ

يُنقّرُ الحبوبَ والزهَرْ

من قلبكَ الأثيرْ

وبغتةً … انفلتَ الجناحْ

في الريح والقَدَرْ ! !

…………………..


رحمك الله رحمة واسعة أيها العزيز الأعزّ ، ومتعك بجنته ورضوانه.


قد يهونُ العمرُ إلا ساعة


Rachel

جبلَ التوباد حيّاك الحيا       وسقى الله  صبانا ورعي

فيك ناغينا الهوى في مهده     ورضعناه فكنتَ المرضِعا

وعلى سفحكَ عشنا زمناً         ورعينا غنمَ الأهل معا

وحدونا الشمسَ في مغربها          وعدونا فسبقنا المطلعا

هذه الربوة كانتْ ملعباً               لشبابينا وكانت مرتعا

كم بنينا من حصاها أربعا          وانثنينا فمحونا الأربعا

وخططنا في نقا الرمل فلمْ     تحفظ الريحُ ولا الرملُ وعى

لم تزل ليلى بعيني طفلةً       لم تزدْ عن أمسِ إلا إصبعا

ما لأحجاركَ صمّاً كلما      هاجَ بي الشوقُ أبتْ أن تسمعا

كلما جئتكَ راجعتُ الصبا            فأبتْ أيامُه أن ترجعا

قد يهونُ العمرُ إلا ساعةً       وتهونُ الأرضُ إلا موضعا

(من مجنون ليلى / لأحمد شوقي)

……………………………


جبل التوباد على العود / محمد عبدالوهاب : وقتاً ممتعاً


Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.

* * * * * * * * * * *

أمي تطلّ من النافذة

2007012100060201

بعد الاستماع إلى (ست الحبايب) لفايزة أحمد ، و(أمي يا ملاكي) لفيروز ، و(يامو) لدريد لحام ، و(غريبة من بعد عينك يا يما) لزهور حسين ، وبعد خوض في مشاعر معتقة ، واستعراض لصور غاربة ، تذكرتُ أنني لم أكتب عن أمي قط !! ا

الكتابة عن الأم عامةً ، تضعنا وجهاً لوجه أمام مشاعر ملتبسة ، وأمام ركامات من عالم تحوّل بفعل الزمن إلى شظايا ونثار من الحصى والجواهر .ا

استشراف هذا العالم الغائص في الضباب قد يتيح – بعد مضي ردح من الزمن – للمتأمل فيه ، أن يتمهّل في وضع القطع المفقودة والمهملة في أماكنها الصحيحة من الصورة الكبيرة ، تماماً كما يفعل هواة لعبة (اللغز) ذات القطع المبعثرة ،التي تتحدى صبر اللاعب ، ودقته ، ومهارته ، وحسن تقديره للمواقع والمقامات . ا

أمام لوحتي الكبيرة أجتهد أن أضع رأس أمي ، وذراعها ، وطرف ثوبها ، ونبرة صوتها في أماكنها الصحيحة ، وأجتهد ألا أستعجل في حشر قطع (اللغز) في أماكن تشبه أماكنها ، وإن لم تكن كذلك .ا

ما كان أضيق المسافة وأوسعها بيننا !ا

بين رأسي الممتلئ بالأسئلة ، ورأسها الممتلئ بالهموم !ا

بين صفحتي الفارغة المبهمة حينئذ ، وصفحتها المنقوشة بخربشات حياة اختلط القليل من حلوها بالكثير من مرّها .ا

بين يديّ الناعمتين المرتاحتين ، ويديها اللتين شققهما الغسل والطبخ .ا

بين ضيقي بمحدودية المكان ووطأة الوقت ، وركونها المستسلم إلى الجدران والرتابة ، وحياة التقشف المدقع .ا

بين حلمي بالخروج إلى مدى أكثر رحابة وجدة ، وتحفظها المزمن على هذا (الخروج المتمرد) واستسلامها للعزلة ، وقلة ثقتها بعالم الناس ، وبي !ا

كيف لنا أن نلتقي إذن ؟ نحن القطبين المتوازيين حدّ التلامس ، المتنافرين حدّ الوجع ؟!ا


عاشت أمي بمزاج كمزاج البحر في مده وجزره . كانت تبدو رائقة حين تحكي لنا عن ذكريات طفولتها ، أو تستعيد حنان أبيها وكدح أمها ، أو أحداث صباها ، فتسترسل في الحديث إلى أن تدمع ، وتطلق تلك التنهيدة العميقة . وكانت أحياناً أخرى تتعكر لأتفه سبب ، أو بالأحرى دونما سبب ، فيسوء المزاج وتشتد نبرة الصوت ، وتستسلم لذلك الشعور المَرَضي بالقهر ، وتنثال على خيالها الخصب تذكارات الحظ العاثر وخيبات الحياة .ا

وتبقى أطرف صورة لها عندي ، حين تجلس على الأرض مساءً أمام التلفزيون ، مادةً ساقيها إلى الأمام ، وهي تتابع بشغف فيلم (صراع في الوادي) أو (دعاء الكروان) ، بينما يتسلل النعاس إلى عينيّ ، فأغفو وآخر مشهد لفاتن حمامة يتراءى في أحلامي .ا

وكما كانت الأفلام قادرة على جلب حالة من الانشراح والبهجة إلى قلب أمي ، كانت زياراتها البعيدة والنادرة إلى صديقة حميمة أو جارة قريب ، تستجلب أيضاً تلك الحالة من الانشراح والبشر . فنرى على ملامحها حين تعود بقايا ابتسامات وحنو ، وفي ثوبها بقايا من عبق بخور ورائحة ماء الورد .ا

وتبقى سمة العناد والصلف سمة متفردة وأصيلة لدى أمي ، بل وتبدو بعيدة الغور في تكوينها الوجداني والنفسي . ذلك العناد الذي يمكن أن أفسره بما يُسمى عزة النفس ، وإن كانت من النوع الشديد الوطأة ، الثقيل على التحمل . وبسبب هذا الخصلة حرمت نفسها من أشياء كثيرة : من الصلة التلقائية بالأهل والأقارب دونما إحن أو ضغينة ، من نسيان ما مضى من خلافات تافهة أو معقدة عفا عليها الزمن ، من إعطاء نفسها فرص المراجعة وتعلم الصفح والتنازل ، من قبول ما تجود به النفوس من هبات أو هدايا أو رعاية واجبة بلا منة أو فضل !ا

وتصل عزة النفس إلى ذروتها حين تتمثل بمكابدة المرض بلا شكوى أو إعلان ، أو طلب لعلاج أو عون ! ليس عناك غير الصبر والعناد والمكابدات الصامتة ! وليس غير المكابرة ، إلى أن يعلن المرض عن نفسه بلا مواربة ، وبحزم يستدعي النقل الطارئ إلى المستشفى في التو والساعة .ا

وكما كانت أمي مكابرة طوال فصول حياتها ، كانت مكابرة في مرضها الذي لم يمهلها أكثر من يومين اثنين فقط وتحت العناية الفائقة ، إذ فارقت الحياة في يومها الثالث في المستشفى ، لتسجل آخر موقف من مواقف عزة النفس ، تلك النفس التي تأبى أن تكون عالة أو عبئاً ثقيلاً على أحد !!ا

آه يا أمي … ليتك كنتِ أكثر سعادة ، أو أوفر حظاً ، أو أكثر مرونة ومهارة في مناوشة صروف الأيام ، وأكثر كرماً في مواجهة بخل الحياة ولؤمها .ا

رحمك الله رحمة واسعة ، وجعل جنته دانية لروحك المتعبة ، وقدميكِ الحافيتين … ا

*********************




صباح اليوم العالمي للمرأة ومساؤه

self-portrait-cropped

صباحاً . . . .

إذا كان عدد أيام السنة 365 يوماً ،

وإذا كان هذا اليوم لها . . .

فإن 364 يوماً ليست لها !!

* * * * *

Frida-Kahlo_The-Dream

مساءً . . . :

(فريدا كالو عشية وفاتها ) :

احرقوا هذا الجسد ،

لا أريد العودة إلى عالم بهذا القبح !!



* * * * * *



يومٌ آخَر

van-renselar-abstract-art-abstract-art

أشباحاً نأتي

كلَّ صباح

أشباحاً نذهبُ

كلَّ ظهيرة

أشباحاً نهرولُ

بين الممراتِ المثقوبة

بالنشرات والدعواتِ الرصينة

……………..

تنقرُ عيوننا

الحوائطَ البيضاءَ النظيفة

ككراتِ البنغ بنغ

وترتدُّ إلينا

دون أن تتعرّف الوجوهَ والأسماء

ودون أن تُقشِّرَ سفرجلَ النوافذ

أو تعتصرَ برتقالَ الأبواب

لتمتصَّ رشفةَ الفطور الصباحي

………………

تهوّمُ ابتساماتُنا الصائمة

في ظلال الوقت الحائل

تهوّمُ كبلّوراتِ الثلج

لامعة

وباردة

وأنيقةَ الهطول !

……………

في صمتِ مكتبي

يطالعني إصيصُ الزرع

مجلوّاً بشعاعِ الساعةِ العاشرة

وذرّاتُ الهباء

تهطلُ بسخاءٍ

فوقَ اخضراره !

*  *  *

قصة الأمس

هذه اقتباسات من كتاب (أبناء السندباد) للرحالة الأسترالي ألن فيلييرز ، يوثق فيها لمظاهر الحياة في الكويت حينذاك (1938م وما قبلها) ، نستأنس بها هنا ، استعادةً لعبق الذكرى وتسجيلاً لوقفة وفاء :

” كانوا يغنون جميعاً (على البوم) ، وكان الجهد المبذول في الغناء كافياً وحده لارهاق أي رجل عادي قوي البنية في ذلك المناخ القاسي , فقد كانت العضلات متوترة والعرق يسيل على سطح المركب دون أن يهتم به أحد . . . لقد كانوا يغنون بتلك القوة الهائلة المنبعثة من رجولتهم الجامحة , وكانوا يغنون بعنف وقوة تنبعث من حناجرهم كافية بحد ذاتها لرفع تلك العارضة ” .

” كانوا يدقون الأرض بأقدامهم ويصفقون بأيديهم المقروحة تصفيقاً يتمشى من الأغنية , فتصدر عن تصفيقهم أصوات كأنها قرع الطبول . . .

وهكذا كان عبداللطيف يغني وقسمات وجهه تتلوى , بينما كان ظهره العريض مشدوداً للعمل .

وقفز بحارة آخرون يتسلقون الحبال كالقردة ويد أحدهم فوق يد الآخر , بينما الحبل يمر من بين أصابع أقدامهم . وتابعوا تسلقهم وأجبروا الحبال على النزول , ثم تساقطوا وأجسادهم تقطر عرقاً وهم يصيحون”.


” كانوا يبدؤن يومهم بالوضوء والصلاة . وفي صلاتهم كانوا دائماً يولون وجوههم شطر مكة , ويفرشون الوزرة أو الكوفية على الأرض أمامهم , فلم يكن فقرهم يساعدهم على امتلاك حصيرة أو سجادة خاصة للصلاة , ويقفون دقيقة صامتين خاشعين متناسين كل هموم الدنيا ومشاكلها . ثم يبدؤن القيام بسائر حركات الصلاة وشعائرها بشكل بسيط ومتناسق . وكان أمراً ممتعاً لي  أن أراقب التغيرات التي تطرأ على وجوههم , فقد كانت الملامح القاسية تخشع وتلين, ويخبو البريق الذي يشع في العادة في العيون المتغطرسة , ويتلاشى كل ما يمكن أن يكون هناك من الصلف والعجرفة والغرور . فلم يكن هناك أي رياء أو نفاق في تلك الوجوه القوية المتجهة الى مكة , وكان من الواضح أن دينهم كان بالنسبة لهم أمراً جوهرياً وحقيقة حية , فلم تكن صلاتهم مجرد أدعية تتلى وتراتيل تردد , بل كانت وسيلة للاتصال الحقيقي بإله يؤمنون بوجوده ايماناً قوياً . فلم يكن أحد منهم يصلي على عجل بل كانوا دائماً يقضون بضع لحظات في بداية الصلاة في خشوع وتأمل وصمت يخلصون خلالها من التفكير بأمور الدنيا , وكنت أرقبهم وأنا أغبطهم على ذلك , لأني لم أكن أستطيع أن أتخلص من التفكير في الأمور الدنيوية بتلك السهولة ” .


” وقد أدهشتني بساطة النظام المتبع على المركب , وهو نظام لا يحتاج الى مجهود كبير , كما أعجبني جداً ذلك التناغم والوفاق والسعادة الدائمة التي كانوا يعملون في ظلها . وربما كان ذلك راجعاً الى أنهم كانوا فقراء لا يملكون سوى القليل من الملبس وبعض البضائع التي كانوا سيتاجرون بها ولا شئ غير ذلك , أي انهم في واقع الأمر لم يكونوا يملكون شيئاً . وقد بدأت بعد فترة من الزمن أتساءل عما اذا لم تكن فكرة جيدة ألا يملك المرء شيئاً من حطام الدنيا على الاطلاق ” .

…………………………………………..

” وهكذا غادرت الكويت عن طريق البر الى البصرة فأوروبا , وكنت حزيناً وأنا أترك المدينة وراء ظهري . لقد كان للبلاد حظها من المشكلات ألا أنها كانت أقل من غيرها من البلدان المشابهة لها في المساحة , كما كان عليها أن تتغلب على كثير من المصاعب أيضاً. وقد تمكنت حتى الآن من حل مشاكلها والتغلب على صعوباتها , وليس هناك من سبب يجعلها عاجزة عن مواصلة ذلك في المستقبل . فمراكبها وبحارتها معروفون بسمعتهم الطيبة في طول البحار الشرقية وعرضها , وبريق لؤلؤها مشهور في باريس ونيويورك , وتجارها يلاقون كل احترام من سوريا الى سنغافورة ومن القاهرة الى كاليكوت بالهند . وهي مكان لطيف جميل يعيش فيه المواطنون بسلام ووئام , ويساعد فيه التجار الأغنياء الفقراء من المواطنين بحسب تعاليم الاسلام , ويتصرف الشيخ كوالد للجميع .

وبينما كنت أغادر المدينة في وضح النهار , وأرى قوافل الجمال وهي تدخل اليها محملة بالعوسج وحطب الوقود قادمة من الصحراء , وفريقاً من الصبية وهم يسوقون حميرهم بمرح الى حيث الآبار التي يملأون منها قربهم بالماء الصالح للزراعة , كنت أشعر بالحنين الى البقاء هناك حيث يمكنني أن أشتري (البغلة ) التي تعجبني , وأجالس الرجال الحكماء الأجلاء موسماً آخر , وأتعلم المزيد من فنون الملاحة في البحار الشرقية . كانت الشمس تسطع باهرة في سماء صافية خالية من الغيوم , الا أن الجو لم يكن شديد الحرارة , بل كان معتدلاً لطيفاً , والهدوء والسكينة يلفان كل شيئ . وعندما كنت أنظر الى علم الكويت الأحمر وهو يخفق على قصر الشيخ وعلى جميع المراكب الراسية في الميناء كنت أقول في نفسي ها هو علم أود لو استطعت الابحار وأنا أرفعه على مركبي , كما أود لو استطعت أن أعيش في ظله مرة أخرى. وداعاً يا كويتي العزيزة ! حق لك أن تفخري برجالك الذين يبنون المراكب العظيمة وببحارتك الذين يبحرون على ظهورها الى أقاصي الأرض ” .

*    *   *     *     *     *

You are currently browsing the 3ain Saqr blog archives.