قصة الأمس
هذه اقتباسات من كتاب (أبناء السندباد) للرحالة الأسترالي ألن فيلييرز ، يوثق فيها لمظاهر الحياة في الكويت حينذاك (1938م وما قبلها) ، نستأنس بها هنا ، استعادةً لعبق الذكرى وتسجيلاً لوقفة وفاء :
” كانوا يغنون جميعاً (على البوم) ، وكان الجهد المبذول في الغناء كافياً وحده لارهاق أي رجل عادي قوي البنية في ذلك المناخ القاسي , فقد كانت العضلات متوترة والعرق يسيل على سطح المركب دون أن يهتم به أحد . . . لقد كانوا يغنون بتلك القوة الهائلة المنبعثة من رجولتهم الجامحة , وكانوا يغنون بعنف وقوة تنبعث من حناجرهم كافية بحد ذاتها لرفع تلك العارضة ” .
” كانوا يدقون الأرض بأقدامهم ويصفقون بأيديهم المقروحة تصفيقاً يتمشى من الأغنية , فتصدر عن تصفيقهم أصوات كأنها قرع الطبول . . .
وهكذا كان عبداللطيف يغني وقسمات وجهه تتلوى , بينما كان ظهره العريض مشدوداً للعمل .
وقفز بحارة آخرون يتسلقون الحبال كالقردة ويد أحدهم فوق يد الآخر , بينما الحبل يمر من بين أصابع أقدامهم . وتابعوا تسلقهم وأجبروا الحبال على النزول , ثم تساقطوا وأجسادهم تقطر عرقاً وهم يصيحون”.
” كانوا يبدؤن يومهم بالوضوء والصلاة . وفي صلاتهم كانوا دائماً يولون وجوههم شطر مكة , ويفرشون الوزرة أو الكوفية على الأرض أمامهم , فلم يكن فقرهم يساعدهم على امتلاك حصيرة أو سجادة خاصة للصلاة , ويقفون دقيقة صامتين خاشعين متناسين كل هموم الدنيا ومشاكلها . ثم يبدؤن القيام بسائر حركات الصلاة وشعائرها بشكل بسيط ومتناسق . وكان أمراً ممتعاً لي أن أراقب التغيرات التي تطرأ على وجوههم , فقد كانت الملامح القاسية تخشع وتلين, ويخبو البريق الذي يشع في العادة في العيون المتغطرسة , ويتلاشى كل ما يمكن أن يكون هناك من الصلف والعجرفة والغرور . فلم يكن هناك أي رياء أو نفاق في تلك الوجوه القوية المتجهة الى مكة , وكان من الواضح أن دينهم كان بالنسبة لهم أمراً جوهرياً وحقيقة حية , فلم تكن صلاتهم مجرد أدعية تتلى وتراتيل تردد , بل كانت وسيلة للاتصال الحقيقي بإله يؤمنون بوجوده ايماناً قوياً . فلم يكن أحد منهم يصلي على عجل بل كانوا دائماً يقضون بضع لحظات في بداية الصلاة في خشوع وتأمل وصمت يخلصون خلالها من التفكير بأمور الدنيا , وكنت أرقبهم وأنا أغبطهم على ذلك , لأني لم أكن أستطيع أن أتخلص من التفكير في الأمور الدنيوية بتلك السهولة ” .
” وقد أدهشتني بساطة النظام المتبع على المركب , وهو نظام لا يحتاج الى مجهود كبير , كما أعجبني جداً ذلك التناغم والوفاق والسعادة الدائمة التي كانوا يعملون في ظلها . وربما كان ذلك راجعاً الى أنهم كانوا فقراء لا يملكون سوى القليل من الملبس وبعض البضائع التي كانوا سيتاجرون بها ولا شئ غير ذلك , أي انهم في واقع الأمر لم يكونوا يملكون شيئاً . وقد بدأت بعد فترة من الزمن أتساءل عما اذا لم تكن فكرة جيدة ألا يملك المرء شيئاً من حطام الدنيا على الاطلاق ” .
…………………………………………..
” وهكذا غادرت الكويت عن طريق البر الى البصرة فأوروبا , وكنت حزيناً وأنا أترك المدينة وراء ظهري . لقد كان للبلاد حظها من المشكلات ألا أنها كانت أقل من غيرها من البلدان المشابهة لها في المساحة , كما كان عليها أن تتغلب على كثير من المصاعب أيضاً. وقد تمكنت حتى الآن من حل مشاكلها والتغلب على صعوباتها , وليس هناك من سبب يجعلها عاجزة عن مواصلة ذلك في المستقبل . فمراكبها وبحارتها معروفون بسمعتهم الطيبة في طول البحار الشرقية وعرضها , وبريق لؤلؤها مشهور في باريس ونيويورك , وتجارها يلاقون كل احترام من سوريا الى سنغافورة ومن القاهرة الى كاليكوت بالهند . وهي مكان لطيف جميل يعيش فيه المواطنون بسلام ووئام , ويساعد فيه التجار الأغنياء الفقراء من المواطنين بحسب تعاليم الاسلام , ويتصرف الشيخ كوالد للجميع .
وبينما كنت أغادر المدينة في وضح النهار , وأرى قوافل الجمال وهي تدخل اليها محملة بالعوسج وحطب الوقود قادمة من الصحراء , وفريقاً من الصبية وهم يسوقون حميرهم بمرح الى حيث الآبار التي يملأون منها قربهم بالماء الصالح للزراعة , كنت أشعر بالحنين الى البقاء هناك حيث يمكنني أن أشتري (البغلة ) التي تعجبني , وأجالس الرجال الحكماء الأجلاء موسماً آخر , وأتعلم المزيد من فنون الملاحة في البحار الشرقية . كانت الشمس تسطع باهرة في سماء صافية خالية من الغيوم , الا أن الجو لم يكن شديد الحرارة , بل كان معتدلاً لطيفاً , والهدوء والسكينة يلفان كل شيئ . وعندما كنت أنظر الى علم الكويت الأحمر وهو يخفق على قصر الشيخ وعلى جميع المراكب الراسية في الميناء كنت أقول في نفسي ها هو علم أود لو استطعت الابحار وأنا أرفعه على مركبي , كما أود لو استطعت أن أعيش في ظله مرة أخرى. وداعاً يا كويتي العزيزة ! حق لك أن تفخري برجالك الذين يبنون المراكب العظيمة وببحارتك الذين يبحرون على ظهورها الى أقاصي الأرض ” .
* * * * * *
This entry was posted on Monday, March 1st, 2010 at 6:40 pm and is filed under Uncategorized. You can follow any responses to this entry through the RSS 2.0 feed. You can leave a response, or trackback from your own site.