3ain Saqr

Flower

صباح الخير يا عزيزتي

friendship2

جاءني صوتكِ البارحة مفعماً بالغياب ، وملتبساً بالمرض بعد أن خانتكِ ساقكِ – وغالباً ما تخوننا أعضاؤنا – فأقعدتكِ الفراش . فألف لا بأس عليكِ ، وصباحكِ خير كبياض الفُلّ ورائحته .

كسحابة في الأفق تبقين معلقة ، وجاهزة – دائماً – للظل أو المطر ، فغيابك لم يكن يوماً موحشاً ، لأنكِ رهن الحضور حين يستدعيك الخاطر أو يناديك جرس الموبايل أو خط النت في بيتك الأقرب إلى القلب ، وإن بعُدت مسافاته ونأت .

أكاد أتبع صوت رنين الهاتف وأدلف مع صوتي إلى صالتك الصغيرة ، لأجلس في مكاني الذي أعرفه ، وأتجسّد في زمن أليف كان لنا ، وأرى بأم عيني نافذتك الطويلة الوسيعة ، وأصّيص الزرع ، وأشياءكِ الصغيرة المبعثرة في المكان بفوضى محببة ، وأشمّ  رائحة لطيفة رؤوم  هي رائحة بيتك ورَوْحه .

كيف تجمعت الأسباب لتصوغ هذه الوشائج اللطيفة ، وتعطيها هذا البعد الروحي والنفسي والامتداد الزماني والمكاني الذي لا يَبلى؟!  هل تذكرين مكانك في المكتب الثقافي في سفارة الكويت في لندن حين التقينا أول مرة؟ وحين تجاورنا في السكن في (بارك هاوس)؟ وحين تشاركنا الإقامة في (بيمبرج جاردنز)؟ وحين تسكعنا في الأحياء القريبة في الأصائل والأمسيات ،  نذرعها من (كوينز واي) مروراً ب(موسكو رود) إلى بيتك ، أو من بيتك إلى (بورتابيللو رود) لتمتعي ناظريك على امتداد الطريق بتحف الأنتيك من المنمنمات وقطع الأثاث التي تستهويكِ ، ثم لتتنهدي برضى من شبع بالفرجة فقط ، لأن العين بصيرة واليد قصيرة ، ثم تعرّجي على السوبرماركت القريب  لتشتري الخبز ومكونات السَلطة وعصير برتقال ودجاجة .

وفي نهاية المشاوير تأخذنا الطريق إلى بيتك دائماً ، لتؤكدي لي وللأعزاء من الأصدقاء أن للسَلَطة طعماً خاصاً ، ول(مقلوبة الدجاج) وصفة سرية ، وأن الخبز بالزعتر واللبنة المكورة والزيتون الأخضر أطباقٌ ملوكية فاخرة ، ما دامت قد أُعدّت بيديك وبنَفَسك . وتظل المائدة عامرة كمائدة السماء تطعمنا المن والسلوى والحنان والاحتواء ، وأنتِ تحومين حولنا وتسكبين لنا ، لتكوني كما الأم أول المضيفين وآخر الآكلين .

كانت الغربة معك وطناً ، وكان المنفى بقربك وسادة ونافذة على الهواء الطلق . فمعك دخلتُ (ألبرت هول) لأول مرة لنستمع إلى روائع الموسيقى الكلاسيكية ، وبصحبتك زرتُ المسرح وعرفتُ العروض الأصيلة الباذخة ، وبمعيتكِ تجولتُ في حواري (كوفنت جاردن) حيث المشغولات اليدوية والمنمنمات واللوحات العابقة بالخصوصية لفنانين لا يعرفهم أحد . ومعكِ أيضاً ركبتُ القطارات والحافلات إلى (وندزر) و(باث) و(أكسفورد) وضواحي الريف الإنجليزي ومتنزهاته . ومعك عرفتُ لذة اقتسام ومشاركة الصحن الواحد والوجبة الواحدة في مطاعم لندن ومقاهيها ، تماماً كما اقتسمتُ معك (الحلو والمرّ) والمكاسب والخسائر والضحكات والدموع ، فيا له من سجل ، ويا لها أيام !

قد يمر العمر وتنطفئ الأيام واحداً واحداً كشموع أعياد الميلاد ، وقد يصيب القلب الوهن فلا يضخّ غير الرماد والهشيم ، ولكن من لطف الرحمن أن جعل للروح هذه الكأس الأخيرة ، نرتشف منها الحنين ، وثمالة الوجوه الحاضرة في الغياب .

***********************


3 Responses to “صباح الخير يا عزيزتي”

  1. February 3rd, 2010 at 2:06 am

    Hiyam says:

    You always wanted your friend’s life to enter history. It did, thanks to you. I can see a story of both life. it is wonderful to read such memories. Thanks god, at least some people have memories, if you know what the writer means.

    ما أحمل ان يشعر المرء بأن مايعمله له معنى عند اصدقائه حتى ولو عمله عفويا . أسعدت قلوبا بقراءة هذا المثال

  2. February 3rd, 2010 at 2:07 am

    Hiyam says:

    let alone the picture !! it is so expressive. Amazing how lovely and meaningful.

  3. February 5th, 2010 at 12:09 am

    عين الصقر says:

    هيام
    يبدو لي أن (اللحظة) في حياتنا تنسرب خلسةً دون أن نشعر ، وفي هذه اللحظة يكمن سر الحياة .
    و لكننا للأسف نغفل عن تأملها واقتناصها إلى أن تتحول إلى ذكرى . وعليه فإن السعادة تكمن في (اللحظة) عينها
    وليس في الانتظارات الغامضة التي لا تأتي
    كم نحتاج من زمن ودروس لنعي هذه الحقيقة ؟!ا

Leave a Reply