3ain Saqr

Flower

في الروحانيات 3-3

أذان الفجر وأجراس الريح


work.2607587.2.flat,550x550,075,f.zen-tree


نوهتُ في المقالة السابقة بأساسيات فن الزن Zen ، ومنها موضوع التأمل Meditation وأهدافه وأدواته ، وألمحتُ إلى رواج هذه الرياضة الروحية عالمياً ووصول بعض آثارها إلينا .

وقبل الانتقال إلى الحديث عن هدف هذا الجزء الثالث من الموضوع ، أود أن أؤكد في البدء على أنني أطمح أن أكون من أولئك الذين يوصفون بسعة الأفق والتسامح والقبول للآخر ، وأؤمن كذلك بالتكامل والتواشج بين الفلسفات والأديان والثقافات الإنسانية التي ما فتأت تجدُّ عبر رحلاتها المضنية للتأسيس لحضارة الإنسان على هذا الكوكب . ولهذا فإنني أهدف من خلال المقارنة بين روحانياتهم وروحانيتنا إلى ما يعزز نظرتي تلك ويؤكّدها ، بعيداً عن تسفيه معتقدات الآخر أو انتقاصه أو الاستعلاء عليه .

إن الإنسان هو الإنسان كائناً ما كان جنسه أو دينه أو لونه ، وبحثه عن الأمان النفسي والسكينة الروحية كان وما يزال يشكل الظمأ الأشد والرغبة الأكثر إلحاحاً ، وكما يبحث البوذي عن سبل الروحانية ، كذلك يفعل المسيحي والمسلم وغيرهما . ومن خلال العرض السابق لفلسفة الزن ، لعلي ألاحظ ويلاحظ غيري من القراء الكرام ذلك التشابه العجيب بين روحانيتهم وروحانيتنا الإسلامية ، ليس في الجوهر فقط ، وإنما حتى في بعض الطقوس وأدوات ممارسة تلك الطقوس .

فالجوهر الروحاني يتمثل في اجتهاد المؤمن في إخلاء القلب والروح من الماديات ومتعلقاتها ، والطموح للتواصل مع المطلق (الله في جلاله وعظمته) ، وما توفره هذه الرحلة من مكابدة وجهاد للوصول إلى حالة من الاستنارة ، وهي حالة كثيراً ما تحدّث عنها المتصوفة من المسلمين ، وإن بلغة ومصطلحات وأشواق ذات نكهة خاصة .

أما التأمل meditation ، فما هو إلاّ (الصلاة) أو (الدعاء) ، اللذان رافقا الإنسان في أطواره المختلفة وعبر تاريخه العقائدي . والانقطاع في (التأمل) هو ذاته الانقطاع في (الصلاة) حين التوجه للديان العظيم وطرح الأسباب والمشاغل الدنيوية ساعة الخلوة ومثول العبد بين يدي ربه . وكلما كانت الصلاة خالصة لوجه الله وصاعدة من قلب نقي ونفس خالية من المشاغل ، كلما كانت طريقاً للاستنارة والرضى والسلام الروحي .

أما ما يسبق جلسة (التأمل) من طقوس مقاربة الماء ، فهو عينه ما عندنا من واجبات الاستنجاء والغُسل والوضوء قبل الصلاة ، بل هو ذات المضمضة والاستنشاق وغسل الأيدي والأرجل ومسح الرأس . وإذا جئنا إلى بعض أدوات التأمل كتعليقة الريح وكرات التأمل – والتي سبق شرح وظائفها في المقالة السابقة – فإننا نجد لها متشابهات في ديننا أعظم أثراً وأشد التصاقاً بالذاكرة الإيمانية . فصوت الأذان في الفجر وترددات أصوات المؤذنين حين تُرفع من مساجد عدة في ذات الوقت ، له من الأثر النفسي والنشوة الروحية ما يعادل أضعاف دندنات (تعليقة الريح) سالفة الذكر . أما (كرات التأمل) فيعادلها عندنا (المسبحة) بخرزاتها التي تكر على أطراف الأصابع ممزوجة بتسبيحات (الله أكبر) (الحمد لله) (سبحان الله) ، ليشكلا معاً : الملمس وترددات الصوت المهموس ، تهويمةً ابتهالية ذات قدرة عجيبة على إحداث الغبطة الروحية والتوازن النفسي ، وإطلاق طاقة إيجابية يصحُّ بها الجسم والأعضاء .

لم يبقَ إلاّ أن نعرج في النهاية على بعض المفاهيم الإيمانية المشتركة ، كإنكار الذات والبُعد عن الخُيلاء، والتحلي بالتسامح والعفو، وذلك من خلال طرح الماضي والتأكيد على الإخلاص للحظة حين ممارسة التأمل أو الصلاة ، وكذلك الصبر والاحتساب في الألم والمحنة ، والتسليم التام للمشيئة الإلهية التي لا بد أن تأخذ مساراتها دون معاندة أو صِدام . وأخيراً الإيمان بأن المحن والكربات ما هي إلاّ اختبارات للتعلم والاستعلاء بالروح وصقل معدنها .

من خلال هذا العرض الذي جاء أشبه بالمقارنة بين روحانيتهم وروحانيتنا ، يتبدى لنا أمران : الأول ، هو التساؤل عن جدوى الصِدام المفتعل بين الأديان والعقائد ، ما دامت ترتكز على ذات الخطوط العامة ؟ أما الخصوصية في كل عقيدة فتلك نعمة أخرى ومدعاة للشعور بالتميُّز والاختلاف المحمود . أما الأمر الثاني ، فهو الدعوة إلى التفكر في روحانيتنا الإسلامية وبمدى الثراء والغنى الذي اشتملت عليه كعقيدة وممارسة ، وكونها قادرة على استيعاب الأديان والملل ونسخها بهذه الصورة الراقية الخالية من الوثنية والخرافة .

لم يبقَ إلاّ أن نتمنى على المشتغلين في الترويج لليقظة الروحية والتنمية الذاتية أن يخففوا من ارتهانهم للمناهج والأدوات المقتبسة من مؤلفات الغرب وتقنيات الشرق ، ويعكفوا على التنقيب في مناجم روحانيتنا الإسلامية ، وخاصة تلك التي تمس الإنسان الفرد العاري ، الذي خُلق (وحيداً) ، وأُمِر أن (يكدح كدحاً) ، ويستعين (بالصبر والصلاة) خلال رحلته الإيمانية المحفوفة بالنَّصب والمجاهدة .


*****************

3 Responses to “في الروحانيات 3-3”

  1. June 6th, 2009 at 5:38 pm

    ابوامل says:

    اتفق معك على أن التراث الإسلامي لم يكتشف بعد من أجل استخراج الكنوز التي يزخر بها ويكفي أن نعرف أن هؤلاء أنفقوا أعمارهم من اجل ابداع هذا التراث
    ماذا نفعل فى ظل كسل عام يصيب الجميع
    وتواطؤ عن التواصل مع ماضينا المشرف
    تحياتي

  2. July 18th, 2010 at 3:42 pm

    Tweets that mention 3ain Saqr » Blog Archive » في الروحانيات 3-3 -- Topsy.com says:

    [...] This post was mentioned on Twitter by Kuwait Bloggers, Kuwait Bloggers. Kuwait Bloggers said: في الروحانيات 3-3: آذان الفجر وأجراس الريح نوهتُ في المقالة السابقة بأساسيات فن الزن Ze… http://bit.ly/aoq7QY http://www.Q8Bloggers.com [...]

  3. July 18th, 2010 at 4:02 pm

    عين الصقر says:

    أبو أمل
    أضحت العقيدة الإسلامية للأسف مجرد ممارسات روتينية وقشور ومظاهر ، ومجموعة من تعاليم الزجر والقمع والترويع والعنف اللفظي والعملي ، وبذلك فقد بعدت عن عمقها الروحاني والأخلاقي ، وهما الركنان الأكثر تأثيراً في الوجدان والعاطفة الإيمانية . والعجيب أننا الآن وبسبب هذه الوحشة والغربة عن أصل الروحانية ونسائمها الربانية بتنا نبحث عن نفحاتها في التأمل واليوغا والزن وغيرها من مبادئ الأديان الشرقية! دون أن نلتفت إلى ما نملك من كنوز روحانية قادرة على أن تعالج أدواء القلوب والأرواح وتخفف من تلك الجفوة والغلظة التي رانت على عقيدتنا وغطت على جوهرها النقي .
    ولا حول ولا قوة إلا بالله

Leave a Reply