3ain Saqr

Flower

في الروحانيات 2 – 3

” الزّن ” رياضة روحية وفلسفة

Flaming_pebbles_2


نوّهتُ في مقالتي السابقة إلى أننا نشهد توجهاً ملحوظاً نحو ظاهرة العلاجات الروحانية وأدبيات تنمية الذات ، وذلك من خلال اقتباس مناهج وأساليب غربية وشرقية راجت بكثرة من خلال المؤلفات والدورات التدريبية والمؤسسات العلاجية .

وأود أن أؤكد أنه رغم انتقادي لمسألة السطو على جهود الآخرين (غربيين عامةً) ، لدى معظم المشتغلين في هذا الحقل عندنا ، إلاّ أنني شخصياً كنتُ ولا أزال من أكثر المتابعين والمعجبين بجهود أولئك (الآخرين) ومساهماتهم في هذا الحقل المعرفي ، الذي يكاد يُعد من المعارف الحديثة نسبياً ، والتي تطمح إلى الارتقاء بالإنسان روحياً ومساعدته على فهم ذاته ، والاجتهاد للوصول به إلى حالة من التوازن والرضى مع وجوده الأرضي ، ومع ما يواجهه من تحديات حياتية .

بيد أن الناظر إلى طروحات الروحانية (الجديدة) التي تجد لها أصداء بعيدة عالمياً ، سوف يجد أنها في منطلقاتها الأساسية لا تتعدى الغرف من بحر الفلسفات والأديان الشرقية على وجه الخصوص . فتقنية التأمل (meditation) واليوغا وما يسبقهما ويتخللهما من طقوس مأخوذة جميعها من فلسفة ” الزن” “Zen” البوذية ، وهي في مجملها تدعو إلى تطهير النفس من مزعجات الحياة الواقعية اليومية ، وإسدال الستار بين هذه المزعجات وبين الروح المتأملة لتنقطع إلى ذاتها (الجوانية) وتستغرق في عالمها الداخلي إلى درجة الانفصال عما حولها . وأثناء معايشة هذه الحالة من الاستغراق الداخلي ، تتلاشى بالتدريج ظواهر العالم المادي ويتهيأ المتأمل للتواصل مع عالم المطلق ، ويتحقق له حينها التنوير الروحاني التام (enlightenment) . وهكذا فإن المتدربين على تقنيات التأمل ، واتخاذ وضع (زهرة اللوتس) أثناء ممارسة اليوغا ، يطمحون إلى الوصول إلى هذه الحالة من السكينة والسلام الروحاني الغامر ، وهي حالة لا يصل لها المتدرب إلا بعد تمارين شاقة ومضنية وتكريس شبه كامل لحياته العقلية والروحية ، من أجل تمثّل هذه التعاليم وجني ثمارها .

وتكاد معظم المؤلفات الغربية في الروحانيات لا تخلو من هذا الأساس الفلسفي الشرقي ، فمسألة التأمل (meditation) وشرح تقنياته وتحليل أبعاده الفكرية والروحية ، بدأ يأخذ حيزاً مهماً في هذه المؤلفات ، بل تجد له أصداء متكررة في البرامج الحوارية والمنتديات وحلقات التدريب . ومن مسألة (التأمل) تتفرع مسائل أخرى ذات صلة ، كالتدريب على إنكار الذات الماضية والمستقبلية والتركيز على اللحظة الآنية ، بهدف ألا ينشغل المتدرب بآلام الماضي وأوجاعه أو التعلق بأمجاده التي تدعو إلى الكبرياء والغطرسة ، وكذلك لا ينشغل بالقلق على المستقبل الذي لا وجود له الآن ، ويتفرغ فقط للعيش في اللحظة الآنية ، ففيها تتمثل الحياة الحقة نابضة وحقيقية . ومن خلال عيش اللحظة يتخلى الإنسان عن النقد والحكم على نفسه أو على الآخرين (بما أنها أحكام ماضوية أو مخاوف مستقبلية) , ويستطيع حينها أن يتعامل بتسامح وود مع محيطه ومع الآخرين .

ومتى ما استطاع الإنسان أن ينتصر على استسلامه للماضي وقلقه على المستقبل من خلال الإخلاص للحظة الآنية ، فإنه يستطيع بسهولة أن يهزم الألم والمرض . فالآلام النفسية أو الأوجاع الجسدية في معظمها أعراض وهمية مُتخيلة ، ومتراكمة من خبرات سابقة قد لا يكون لها وجود آني ، أو لا وجود لها الآن إلاّ بالذاكرة والعقل اللذين يستعبدان الإنسان ويقيدانه ، ويعيدان ذكرى الإحساس بالألم وخلقه من جديد ليتحول إلى طاقة سلبية مدمرة للروح والجسد . إن الألم الجسدي ما هو إلاّ حقل من الطاقة المحبوسة داخل الذات ، ولا يمكن التخلص منها بمعاندتها والصِدام معها ، لأن هذا الصدام يقود إلى مزيد من الألم والمعاناة . وما على الإنسان إلا أن يتأمل حالته بأناة وصبر ويدع الألم يتخذ مساراته الطبيعية دون مقاومة أو رفض ، بل بقبول وتسليم تامين يساعدانه على تجاوز لحظات المحنة .

ولكي تكتمل شروط (التأمل) وتؤتي أكلها ، هناك جملة مقدمات للدخول في الحالة ، كالاغتسال لعموم الجسد أو الاكتفاء بغسل الوجه وإدخال الماء باستخدام إبريق صغير من إحدى فتحتي الأنف ليسيل من الأخرى ، ثم وضع الماء في الفم وإبقائه لفترة (المضمضة) ، وكذلك غسل الذراعين والرجلين والرأس . (أما في حالة قضاء الحاجة ، فيجب عدم التبول وقوفاً ، واستعمال الماء بعد كل عملية بشكل جيد) .

wind-chime_~k0623918

لم يبقَ إلا أن نذكر أن هناك بعض الأدوات التي تعين المتأمل على الاستغراق وتحقق له التوازن في طاقاته الجسدية ، أو التوازن مع محيطه وبيئته المكانية . كنتُ في رحلة منذ فترة قريبة إلى إحدى الولايات الأمريكية ، وأثناء ترددي على إحدى مكتبات بيع الكتب المعروفة ، لفت انتباهي تخصيص ركن تُعرض فيه بعض المشغولات والمنمنمات وإكسسوارات الزينة , وكان من بين المعروضات علب صغيرة أنيقة بقياسcm) 8 × 7 × 4) ، كُتب على إحداها Zen meditation balls (كرات التأمل) ، وعلى الأخرى The Zen of Wind Chimes (أجراس الريح أو تعليقة الريح) . في العلبة الأولى وجدتُ كرتين معدنيتين مطليتين بالكروم وبألوان عميقة وأنيقة ، ملفوفتين بعناية بكيس مخملي . ووجدتُ في العلبة الأخرى أجراس الريح أو تعليقة الريح ، وهي مجموعة من الأنابيب الجوفاء تُربط على أبعاد متفاوتة وتُعلّق على مداخل الأبواب أو النوافذ لتصدر أصواتاً جرسية عذبة عندما تهبُّ عليها نسمات الهواء . ومع العلبتين وجدتُ كتيبين صغيرين يشرحان أثر هاتين الأداتين على من يمارس التأمل أو يطمح إلى الاستفادة من اقتنائهما . فوظيفة الكرتين باختصار تتحقق حينما توضعان في قبضة اليد ويتم إدارتهما بالتناوب إلى أسفل وإلى أعلى ، أو وضعهما تحت القدم أثناء الجلوس وتمرير القدم فوقهما من الأصابع مروراً بباطن القدم إلى الكعب صعوداً ونزولاً . وهذه الحركة جديرة بأن تلامس نقاط الطاقة في الكف أو القدم ، فتنشط الدورة الدموية ويصل سريانها إلى المراكز العصبية في القلب والرئتين ، ومنهما تتم استثارة الروح والعقل .

أما (تعليقة الريح) أو (أجراس الريح) ، فقد جاء في الكتيب المرفق معها ما معناه : أنها إحدى أدوات فن الزن Zen التي تساعد على خلق التوازن والاسترخاء في زمن التسارع واللهاث والجدول اليومي المزدحم ، حيث توفر هذه الأداة الصغيرة فرصة للسكينة والأناة وإعادة شحن الطاقة المتبددة . ويمكن للهارب من الضوضاء اليومية والصخب أن يختار لنفسه بقعة هادئة منعزلة في بيته أو مكتبه ليعلق هذه الأجراس ذات الدندنات الخافتة العذبة . وليس بالضرورة التركيز على سماع الصوت والتفكير به ، وإنما الهدف إخلاء العقل من التفكير والتحليل وجعل الصوت مجرد خلفية سمعية سرعان ما تتلاشى كلما تعمّق المتأمل وأبحر في أعماق نفسه وقطع الصلة بينه وبين العالم الخارجي بضوضائه وتلوثه وضغوطاته ، مجتهداً أن يصل إلى تلك النقطة العميقة المضيئة في نفسه ، حيث الصمت المطلق والأمان المطلق .

ونكمل في المقالة التالية .


****************

5 Responses to “في الروحانيات 2 – 3”

  1. June 3rd, 2009 at 7:19 am

    البوابة says:

    لقد شاءت الصدف أن تقع عيني
    وهي بالمناسبة ليست كعين الصقر
    على مدونتكم الثرية بمحتواها
    والجديدة بأطروحاتها
    مع تمنياتي بأن تتحفونا بجديدكم
    وما يفيد بلدكم
    مع خالص التحية

  2. June 3rd, 2009 at 6:45 pm

    عين الصقر says:

    تزدهر المدونة وتستمدّ ثراءها من متابعتكم وتواصلكم . لك خالص الشكر والتقدير

  3. December 11th, 2009 at 12:12 pm

    حلقات says:

    صباح الخير جميع، سعدت بالمرور على هذه التدوينه الرائعه والجميله لكم مني أجمل التهاني وأعطرها

  4. July 19th, 2010 at 2:48 pm

    بروميثيوس says:

    شكرا جزيلا لك على الموضوع الرائع. أتصوّر أن ما كتبته عن الزن يعتبر إضافة نوعية إلى ما كتب عن هذه الفلسفة على الانترنت باللغة العربية. كما أشيد بأسلوبك الجميل والرصين في الكتابة وبالموسيقى المختارة التي أعطت على الموضوع جاذبية إضافية.
    تحياتي.
    بروميثيوس

  5. July 19th, 2010 at 4:49 pm

    عين الصقر says:

    بروميثوس
    أجمل ما في الزن هو الدعوة إلى فهم روح الكون والطبيعة ومحاورة الصمت والسكينة ، والبحث عن مكامن الغبطة الروحية ، ومحاولة الارتباط بقوة ماورائية تشع بالحب والسلام .
    وفوق ذلك ففلسفة الزن فلسفة مسالمة ومتاحة تعطى نفسها بلا إكراه أو فرض أو ادعاء . ويبقى أن سر رواجها وجاذبيتها يكمن في كونها تلامس جوهر الوجدان الإنساني وتعنى بصقله وتهذيبه .
    وشكراً لقراءتك المتأنية الفاحصة

Leave a Reply