في الروحانيات 1 – 3
عروض وسرقات
تشهد المجتمعات الغربية في العقود الأخيرة توجهاً ملحوظاً نحو الروحانيات والبحث عن أساليب تنمية الذات معنوياً وروحياً ، بعد أن استهلكتها الحياة المادية والتوجهات العقلانية الصرفة التي كانت الأساس الفلسفي لنهضتها الحديثة . تبدو هذه التوجهات الروحانية في جملة من المظاهر ، ليس فقط في العودة إلى الكنيسة والكتاب المقدس واستلهام تعاليمهما – وهذا واضح حتى في الخطاب السياسي مؤخراً – ، وإنما أيضاً في البحث عن النسمات الروحانية في الأديان الأخرى والفلسفات الشرقية . فاعتناق الإسلام مثلاً أصبح من الحوادث المألوفة ، ورؤية مجموعات الشباب الأوروبي في الأماكن العامة حليقي الرؤوس يرفلون بالملابس البرتقالية ويهمهمون بالتراتيل ، بات أيضاً طقساً اعتيادياً .
وكنتيجة لهذه الموجة في البحث عن السلام الروحي والاستعلاء عن مزعجات الحياة المادية وضغوطات اللهاث اليومي ، راجت مؤلفات وكتب تبحث في موضوعات ذات صلة مثل تنمية الذات ، والاسترخاء ، والتأمل . وراجت معها الدورات التدريبية حول العلاج بالطاقة ، والعلاج بالإيحاء ، والعلاج بالتدليك والزيوت الطبيعية ، والعلاج بالروائح العطرية ، والعلاج بالطين وأملاح البحر … إلخ ، وأصبح للمنتجعات الصحية وجلسات المساج وتمارين اليوغا أساتذة ومعلمون ومؤسسات تدر الأرباح ما دام لها طلاّب ومريدون .
ويبدو أن موجة الروحانيات وأدبياتها ومتعلقاتها ذات الصلة لم تعد شأناً غربياً أو شرقياً ، إذ سرعان ما اقتبسنا أدواتها ومظاهرها ، وانبهرنا بطروحاتها . وهذا ظاهر ليس فقط في رواج كتب تنمية الذات في المكتبات التجارية – مترجمة أو باللغة الإنجليزية - ، وإنما أيضاً في ترويج أدبيات الثقافة الروحانية بين ظهرانينا ، موظِّفين ذات المناهج والأساليب المستوردة , والتي - للعجب – تم السطو عليها من الألف إلى الياء !
فلعلك استمعت ذات صباح من خلال راديو السيارة إلى برنامج يُذاع في البرنامج الثاني بعنوان ” السرّ ” ، يتحدث المقدم من خلاله عن قانون التجاذب بين الإنسان وعناصر الكون ، وكيف يمكن للإنسان استغلال هذا القانون وتعلمه لتحسين حياته وتوجيهها إيجابياً . وهذا البرنامج الذي يُذاع في إذاعتنا المحلية على حلقات مأخوذ من ألفه إلى يائه من كتاب واسع الرواج يحمل عنوان ” السرّ ” لمؤلفته روندا بيرن Rhonda Byrne ، وقد سبق أن عُرضت مادة هذا الكتاب أكثر من مرة في برنامج أوبرا وينفري التلفزيوني الواسع الانتشار عالمياً . ولعلنا لا نمانع أن يروج هذا الطرح الإيجابي من خلال إذاعاتنا المسموعة ، ولكن ما يثير الامتعاض هو ألاّ ينوّه مقدّم البرنامج إلى مصدر مادته وإلى مؤلفتها الحقيقية ، ليبدو أمامنا وكأنه مجهود شخصي خالص له استقاه من خبرته وبنات أفكاره ! بل واستحقّ عليه الأجر الذي يُدفَع له !
في الواقع أن السرقات من مصادر ومؤلفات ما يُسمى بثقافة التنمية الروحية والذاتية , وهي مصادر ومؤلفات لباحثين غربيين في الغالب ، يتم السطو عليها واستغلالها استغلالاً سافراً ، ليس من قبل البرامج الإذاعية فقط ، – وبرنامج ” السرّ ” ليس إلاّ غيض من فيض فالأمثلة متكررة – وإنما كذلك من قبل أساتذتنا الكرام من المختصين في العلوم الاجتماعية والنفسية خاصة . فقد بات من الأمور الرائجة قراءة إعلاناتهم عن تنظيم دورات خاصة عن( كيف تنمّي ذاتك وتتخلص من بعض الأعراض النفسية) ، أو : ( كيف تتعلم الإيحاءات الإيجابية من أجل قهر المشكلات وتحقيق حياة سويّة )… إلخ . وما عليك إلاّ أن تتابع محاضراتهم أو تدريباتهم لتكتشف أنك سبق أن قرأتها في مرجع للبروفسور الأمريكي الفلاني ، أو شاهدتها على قرص DVD للعالِم الإنجليزي العلاني وبحذافيرها ! وإن صاحب الإعلان المحلي الدكتور اللامع الاسم ليس له من جهد غير السطو على جهود أساتذته الغربيين والإثراء على حسابهم!
إن السرقات الأدبية كانت وما تزال من الأمور الأخلاقية التي طالما خضعت للمساءلة والتحقيق في نطاقها الضيق ، وهو البحوث والمؤلفات المطبوعة . إذ من السهل تعقب السرقة في الحروف المطبوعة التي يمهرها سارقها باسمه الكريم ، فيسهُل صيده والقبض عليه بالجرم المشهود ، ولكن حين تكون السرقة مترائية في حديث إذاعي أو محاضرة عامة أو تدريب عملي ، فقد يصعب رصد الأدلة بسبب أن المادة العلمية تُقدم شفوياً وبتصرّف أحياناً في الأمثلة والشواهد . ناهيك عن أن الأصحاب الأصليين للحقوق – غير المحفوظة عندنا – لا يعنيهم أمر ما يدور في عالمنا الثالث من عظائم الأمور ، فما بالك بمتابعة هذه المشاغبات . ولا يبقى من عزاء غير الأمل في أن يبادر السارقون بمحاسبة ضمائرهم وجيوبهم ، ( أو على الأقل يخفضون التسعيرة قليلاً ) .
هذا وللحديث بقية .
*******************
This entry was posted on Wednesday, July 7th, 2010 at 5:00 pm and is filed under Uncategorized. You can follow any responses to this entry through the RSS 2.0 feed. You can leave a response, or trackback from your own site.

May 30th, 2009 at 1:10 pm
ما اثرته من موضوع يجد سبيلا بين كثير من الناس اليوم بسبب طغيات المادة التى تضعف الروحانيات … شكرا لاثارتك لهذه النقطة
June 11th, 2009 at 5:28 am
Thank you to the topic useful from my heart
http://www.abomlak.com
July 14th, 2010 at 12:35 am
صدقت في ما قلت. وقد لاحظت انا ايضا هذه الظاهرة. هناك بالفعل أسماء لامعة كثيرة عندنا ارتبطت بمواضيع تنمية الذات وتطوير الفرد سيكولوجيا. لكن معظم ما يقولونه وما يكتبونه مسروق من المصادر الغربية من كتب ومواد سمعية وبصرية. المشكلة هي انهم يتصوّرون ان حداثة عهد الناس في بلادنا بهذا التخصّص ستقف عائقا دون كشف سرقاتهم ونسبة جهود الآخرين إلى أنفسهم وهو امر يتنافى مع ابسط الأعراف العلمية والأكاديمية التي تؤكد على النزاهة الأدبية وتحريم انتحال أفكار الآخرين.
بقيت مسالة اعتقد أنها في جوهر الموضوع. أتصوّر أن إقبال الناس في بلادنا على هذا النوع من الكتب والمحاضرات انما يعكس إفلاس المنابر الوعظية التقليدية من مشايخ ووعاظ وتوق الجمهور الى أدوات ووسائل اخرى تخاطب العقل وتكون اكثر ارتباطا بالأرض وبالواقع المعاش. الوعظ التقليدي اثبت قصوره وفشله على جعل حياة الناس أفضل، لذا يلجئون الآن إلى كتب تطوير الذات مع أن هذه الكتب ليست في جميع الأحوال خيرا محضا بل إن بعضها يبيع للناس الوهم ويمنّيهم بالثراء والسعادة دون أدنى تعب أو جهد. وهذا مناقض لطبيعة الحياة وقوانين الكون.
مع خالص تحياتي.
بروميثيوس
July 14th, 2010 at 1:01 am
بروميثيوس
أشكر تعليقك وأؤجل الإشارة إليه إلى حين نشر الجزءين التاليين
ولك تحياتي