الفصاميون
تابعتُ بكثير من الشغف والاهتمام فيلماً عُرض منذ فترة على إحدى القنوات التلفزيونية بعنوان Beautiful Mind (العقل الرائع) ، وهو فيلم يحكي قصة حياة البروفسور John Nash جون ناش ، أحد العقول المبدعة في مجال الرياضيات وعلم الاقتصاد ، وقد نال جائزة نوبل عام 1995 لإنجازاته الفذة في مجال تخصصه.
لم تكن مسألة الإبداع والجائزة الرفيعة مثار العجب لديّ ، فمثله كثيرون أنجزوا ما يخدم البشرية ونالوا جائزة نوبل ، ولكن مثار عجبي انحصر في كون البروفسور ناش من مرضى الفصام ، وهو مرض نفسي وعقلي ذو آثار وأعراض مؤلمة وشديدة الوطأة على المريض وأسرته ومحيطه الاجتماعي والمهني .
ويأتي سبب آخر لاهتمامي الشديد في متابعة الفيلم ، وهو إيقاظه لذكريات وأوقات عسيرة قضيتها مع قريب لي خصني بحكايته مع محنة الفصام . إذ لا أزال أذكر صدمته الشديدة وذعره وهو يحكي لي عن ابنه ذي الستة عشر ربيعاً ، وتحوله المفاجئ من شاب كامل الأوصاف في وسامته ومرحه وإقباله على الحياة ، واستواء خلقته وخلقه إلى كائن غريب استولت عليه الهلوسات والتخيلات الجامحة ، وسكنته أرواح غريبة وأطياف تخاطبه ويخاطبها وتجره نحو الحضيض ، وتأمره بإتيان أفعال وأقوال فيها من العنف والشطح والغرابة ما أحال حياة الأسرة كلها إلى جحيم لا يُطاق. ناهيك عن سلسلة أخرى مؤلمة من الأعراض كالانهيارات العصبية والهياج المفاجئ بلا سبب ، وكادعاء التواصل مع قوى غيبية كالأنبياء أو الجن والشياطين وضرورة الامتثال للرسائل الواردة منهم والعمل بموجبها ! ثم ينتهي الأمر به إلى الانفصال التام عن الواقع الحياتي ومجرياته ، والعيش في سرداب عالم انغلق على الرعب والخوف والظلمة .
كنت أستعيد روايات قريبي بخصوص ابنه وأنا أتابع فيلم Beautiful Mind وأرى مدى التشابه إن لم يكن التطابق بين مشاهد الفيلم وبينه ، وأنا أدعو الله أن يعينه على بلائه . لقد مضى على حكاية قريبي بضع سنوات ، وقد أدركت من أحاديثه المتقطعة بعد ذلك خضوع ابنه للعلاج الدوائي وللمراجعات لعيادات مستشفى الطب النفسي بين آن وآخر . أيقظ فيَّ الفيلم واستعادة الذكريات الرغبة في مهاتفة قريبي للاطمئنان والسؤال عن الأحوال ، فأنبأني باستفادة ابنه من العلاج ، وإنه حالياً يعيش حياة شبه طبيعية ، ولكن الاستمرار في العلاج بالأدوية بات أمراً ضرورياً للمحافظة على حياة سوية . قال ذلك ثم أطلق تنهيدة عميقة فهمتُ منها أن للحديث عن الهموم بقية ، فاستدرجته للفضفضة استئناساً بحميمية العلاقة والقرب النفسي .
قال : طوال معايشتي لأعراض ابني المرضية ، كنتُ أظن أنه حالة نادرة وشاذة ولا مثيل لها ، لأنني لم يسبق لي أن رأيت أو سمعت أنها حصلت لأحد ممن أعرف أو لا أعرف ! وظللتُ أعيش تحت وطأة ألم وعزلة وحَرَج لا يعلمها إلا الله . ولكن دعني أقول لك أنه كلما راجعتُ مستشفى الطب النفسي كل شهرين أو ثلاثة لأصرف أدوية ابني يزداد شعوري بالألم والعزلة حين أرى أعداد المراجعين الكبيرة وهم يتسلمون ذات الأدوية ! وألمي ناتج ليس من إدراكي لكثرة المصابين بالفصام أو غيره من الأمراض النفسية لدينا فقط، وإنما لبقاء المرضى أو آبائهم وأسرهم ضحايا العزلة والصمت والحرج ! كنا نجلس جميعاً وبأعداد لا يُستهان بها في قاعة الانتظار ، من مختلف الأعمار ، نساء ورجال ، شباب وكهول منتظرين أن يُنادى على أرقامنا لاستلام الأدوية ، وكل واحد منا ملتحف بصمته وحذره ، كل منا يعاني وحده ، ووحده يسبح في فضاء من العزلة والوحدة وقد تقطّعت به الأسباب !
أكمل : أؤمن أنه لا أحد يستطيع أن يدفع البلاء المقدّر عن نفسه أو أبنائه أو أسرته ، ولكن انقطاع الحوار والتواصل في مجتمعنا بين المشتركين في البلاء أمر يثير الشجن ، وخاصة إذا كان مرضاً كمرض الفصام. تنهّد مُحدثي بحرقة ثم أكمل : لا شك أن هناك كماً كبيراً من الأسئلة تؤرّق كل منا ، أسئلة حول أساليب التعايش مع أبنائنا المرضى ، حول تطورات المرض وأعراضه ، أسئلة حول تجاربنا المختلفة مع كل حالة، حول السبل المعرفية المتاحة لتوسيع مداركنا وإثراء معلوماتنا حول المرض وحول آخر ما توصل له الطب وأساليب العلاج الحديثة . . . وكم نحن بحاجة أكثر من كل ذلك إلى أن نتعلم من تجارب بعضنا ونتبادل الخبرات ، وأخيراً ولعله الأهم أن نتشارك الهموم ونكسر حواجز العزلة ، ونتخلص من الحرج والشعور بالعار والعيب من أن يكون في بيت أي منا مريض بالفصام .
حاولت في نهاية حديثنا أن أخفف عن محدثي همومه وألمه , وأن أصرف انتباهه إلى الجانب الإيجابي في المسألة ، فحدثته عن فيلم Beautiful Mind (العقل الرائع) ، وعن البروفسور ناش مريض الفصام الذي نال جائزة نوبل . لم أكن أبيعه كلاماً رخيصاً أو أتملقه بحديث يُخدّر وجعه ، وإنما الحقيقة أن مرض الفصام لا يصيب إلا جزء من خلايا الدماغ وليس كله ، بمعنى أن الخلايا السليمة تظل تعمل بكفاءة عالية قد تصل بصاحبها إلى النبوغ . ولعل استقراء سريع لسير حياة مجموعة من الفنانين والعلماء والشعراء والسياسيين العظام يزودنا بمعلومات مؤكدة عن فصاميتهم وأطوارهم الغريبة وشذوذهم ، وهي أعراض تسير جنباً إلى جنب مع مواهبهم النادرة. حقاً إن لله في خلقه شئون !
لم يبقَ إلا أن أتمنى كمحدثي أن يأتي اليوم الذي تُفتح فيه النوافذ على هذا المرض دون وجل أو خجل ، وأن تمتد الجسور بين أسر المرضى من خلال حلقات الحوار والتواصل ، الأمر الذي سوف يفضي بنا إلى التعامل مع الفصاميين بإنسانية وفهم بعيداً عن السخرية والانتقاص أو التبرؤ والتجاهل .
*******************
This entry was posted on Tuesday, June 8th, 2010 at 12:20 pm and is filed under Uncategorized. You can follow any responses to this entry through the RSS 2.0 feed. You can skip to the end and leave a response. Pinging is currently not allowed.

August 30th, 2009 at 12:01 pm
أعرف تماما ما تتحدث عنه..الفصامي شخصية واعدة وذات موهبة غالبا, وخسارة للمجتمع وللدول فقدان مثلها,, جون ناش واضع استراتيجيات نظرية اللعبة في الإحصاء وتطبيقاتها على مواقف الحياة باختلافها كانت دوافعة الرئيسية هي عدم مقدرته على مجاراة الآخرين في أحاديثهم العادية….شعوره بالعزلة دفعه للبحث عن القرارات العقلانية لمواقف حياتية عادية بوجود عدة فرضيات قامت عليها نظريته….
الجزء العبقري بشخصيته لم ينعكس فقط على الإحصاء والرياضيات بل إن قوة عقله رغم مرضه وهلوساته قادته إلى ان يكتشف مرضه بنفسه…كيف؟
الفتاة التي كانت في التاسعة من العمر ظل يراها لعدة سنوات ويحادثها وصديقه الوهمي الذان كانا يزورانه (حسب تخيلاته) من حين لآخر…..لاحظ أن هذه الفتاه لا تزال بعد خمس سنوات بنفس الطول في الوقت الذي يفترض أن تبدأ فيه بالتحول إلى شابة ناضجة…هنا انتبه لمشكلته…..هو من لاحظها
من الطريف أنه كان عندما يتعرف على شخص جديد يقوم باستدعاء أحد من معارفه للتأكد من وجوده فإذا أثبت الشاهد أنه حقيقي يبادله الحديث أمام الناس…وقد بقي يدرس في واحدة من الجامعات المرموقة بالرغم من معرفة الجميع بحالته..
إنه أشبه الأشخاص بأخي الفصامي الذي كان يعد بأجمل مستقبل. لقد كان يدرسني الرياضيات وأنا أسبقه بسنتين في الجامعة..وكان يحصل على علامات كاملة في الهندسات التخيلية والوصفية….الآن هو فصامي وقد عانى الأهوال وحاول الانتحار مرارا….وأنا انقلب صفو حياتي إلى مأساة حقيقية ولكني أبحث عن حلول…ومن الجميل معرفة أن الفصامي قابل للشفاء الكلي..ولكن مايحصل هو انتكاسة إثر أخرى…وأنا يلازمني شعور بالذنب والتقصير لأني لم أنتبه للتغيرات التي كانت تحصل معه….أدركت أن من واجبي أن أتعلم أكثر عن التعامل مع الفصامي وعلم كل من حولي بذلك..وأنا مستعد لمشاركةالأفكار……شكرا
August 30th, 2009 at 5:20 pm
الحوار حول مرض الفصام يجب أن يبقى حواراً متجدداً ، من أجل تبادل الخبرات والتخفيف من المصاب على الأسر والأفراد. ولكن في مجتمعاتنا يبقى الحرج والتستر هو سيد الموقف ، الله ييسر الأمور على الجميع ويشفي مرضانا أجمعين. وشكراً على هذا التواصل الصادق
September 4th, 2009 at 3:39 am
سؤال ممكن تعتبرونه غبي شوي…. شنو أسباب هالمرض؟
سبق وكلمنا عنه دكتور أمان محمود بجامعة الكويت وذكر لنا أشياء ماكنت أصدقها .. لكن لمن سمعت وايد وشفت أفلام قديمة ويديه تتكلم عنه مثل فلم سعاد حسني (نسيت اسمه) اللي تكون فيه فتاة مصابة بالفصام لها شخصيتين بالليل وحده وبالنهار وحده .. كذلك فلم zodiak وايد تأثرت
بالرغم من ذلك أجد هالشخصية (الفصاميه) مثيرة للاهتمام جدا
شكرا على الموضوع والفلم .. بروح اشوف تريل عنه
فمان الله
September 5th, 2009 at 3:42 am
إلى الوتين
الفصام ليس له أسباب معينة ، وإن كان البعض يرجعها ولو بنسبة قليلة إلى الوراثة.
ويحدث هذا المرض النفسي نتيجة بعض الاختلال في خلايا المخ ، وحالياً يمكن السيطرة على أعراض المرض بالعقاقير التي تعيد التوازن لأفرازات المخ ، لذلك فالمداومة على الأدوية دون انقطال قد يؤدي إلى استقرار حالة المريض وربما شفائه التام
June 12th, 2010 at 2:56 pm
صحيح، قد يحرم الله الإنسان من نعمة ما لكنه يعوّضه عنها بأشياء أخرى. شوّقتني كثيرا لمشاهدة الفيلم الذي طالما سمعت عنه. ولا أنسى أن أدعو بالشفاء العاجل لابن قريبك ولكل إنسان متعب في هذا العالم.
تحيّاتي لك.
بروميثيوس
June 12th, 2010 at 9:33 pm
أعرف رجلا كنت دائما أصفه بالفصام رغم قلة معرفتي بالمرض
هذا الرجل مربك لحد بعيد فيشخصيته وأطواره في موقفة المتباينة جدا شخصية فريدة لاتعرف هل تكرههالمدى سوءها ودهائها أم تتعاطف معها وتشعر أ،نها حالة مرضية
لا أعرف فعلا لو كان يعاني من فصام أو مرض آخر ولكن لدي يقين أن هذا الرجل يعاني من علة نفسية
مدونتك رائعة لا أعرف لما ضيعتها في زحمة الكون الافتراضي
في المفضلة وإلى زيارات متجددة بإذان الله
June 13th, 2010 at 2:27 pm
ريم
الفصامي شخص يعيش في عالم افتراضي يخلقه بنفسه ولنفسه
وهو أبعد ما يكون عن اللؤم أو الدهاء ، ويميل إلى العزلة والانفراد
وتغلب عليه الكآبة ، ويسيء كثير من الناس فهمه والتعامل معه .
أشكر زيارتك وتعليقك