3ain Saqr

Flower

اقرأها مرة أخرى

photos_or_paintings2

بدأتُ – والحمد لله – تقليداً أو عادة كانت متواترة عندي منذ زمن ، وأنا الآن أحاول أن أجعلها طقساً من طقوس ما قبل النوم ، وأعني بذلك إشباع الهوس بإعادة قراءة الكتب التي سبقت قراءتها سلفاً .

ليس للمسألة علاقة بالمتاح من الفراغ أو قلة اقتناع بما تقذفه المطابع وتعرضه دور النشر من جديد المؤلفات ، ولكن للمسألة في يقيني وجهاً آخر ، فأنا من الذين يعتقدون بأن أي كتاب يحرّضك على قراءته للمرة الثانية على الأقل ، فهو كتاب مميز  وذو  بصمة .

للقراءة الثانية متعة عجيبة ، فالقارئ يمتلك سلفاً خارطة عامة لمعالم الموضوع أو الحدث ، ولكن تبقى للتفاصيل الصغيرة والإشارات الموحية ومواقع المعاني والألفاظ ، حين استحضارها من جديد ، لذة نادرة ، تُذكّر بطعم قهوة معتقة شربتها ذات   أصيل على شرفة صيفية ، تتزحلق في وادٍ ذي زرع وخضرة وضباب .

قد يكون لخيانة الذاكرة دور في هذه المتعة ، حين ترمم أثناء القراءة الثقوب والخيوط الضائعة في النسيان ، فتخلق لنفسك نسيجاً آخر من قماشة لحمتها ما بقي في الذاكرة ، وسداها ما نسيته ، فتفرح بهذا المخلوق الجديد وكأنه ابنك الضال الذي عاد بعد عقوق .

ليس كل الكتب صالحة لإعادة القراءة ، وإنما أعتقد بأن أجدرها بالإعادة الكتب الأدبية على وجه الخصوص ، والأعمال الإبداعية على وجه أخص . ففي هذه الأعمال يظل قلب الإنسان ووجدانه كامناً كالجمرة المباركة التي وإن غلفها الرماد عبر الأيام فإنها تبقى كامنة ومتوقدة وأبدية أيضاً ، ولا تحتاج إلا إلى نفخة خفيفة لتعود إلى الحرارة والتوقّد . من منا لا يستلذ ذلك البوح الشجي في رائعة (الأيام) لطه حسين ، أو رواية (بقايا صور) لحنا مينة ، وإن قرأهما للمرة المئة ؟ من منا لا تمتلئ نفسه بالغبطة والعنفوان كلما أعاد قراءة روايات (زوربا) أو (العطر) أو (ثلاثية نجيب محفوظ) ؟ من منا لا يستطعم لحم الألم وعظمه في سير حياتية مؤثرة مثل (رحلة جبلية رحلة صعبة) لفدوى طوقان و (خارج المكان) لإدوارد سعيد و (فسيفساء دمشقية) لغادة السمان ، مرة بعد مرة كما يفعل مدمنو الأفيون أو مرضى الماسوشية ؟ ومن منا لا تطنّ رأسه بالأسئلة القديمة المتجددة كلما أطال القراءة في (اولاد حارتنا) أو (هكذا تكلم زرادشت) أو (رباعيات الخيام) ؟ أما الإدمان على استرجاع حكمة المتنبي ، ووجودية أبي العلاء ، وعدمية طرفة ، واحتفالية أبي نواس كلما عنّت الحاجة ، فتلك مسألة لا تحتاج إلى تنويه أو تذكير .

هذا الانحياز لإعادة القراءة في الكتب الإبداعية خاصة ، ليس مجرد ميل شخصي ، ولكنني أرى بأن فرقاً جوهرياً بين هذه الكتب وكتب المعارف الأخرى ، التي بالطبع تفيض عن الحصر لتشعبها ووفرتها المفرطة في عصر الانفجار المعرفي . وهذا الفرق يتمثل في الأصالة المتجددة في الأعمال الإبداعية ، والتي تظل خالدة لا تخبو ولا تنحسر على مر الزمن ، لارتباطها بحاجات الإنسان النفسية والروحية . وقد تحدث أرسطو في تنظيره للمأساة والملهاة عن هذه الحاجات الأساسية ، ومدى تأثيرها في إثارة مشاعر الشفقة والرأفة أو المرح والغبطة . وكلها وجدانيات أصيلة ومتجذرة في تكوين الإنسان الذي سيظل يجدّ في محاولة إشباعها وتحقيقها ما وسعه ذلك .

أما كتب المعارف الأخرى وتفريعات العلوم النظرية ، فتظل مجرد محطات معرفية قابلة دائماً لأن يجبّ أحدها الآخر وينسخه ويلغيه ، ما دام التطور والارتقاء ديدن هذه العلوم وقانونها الراسخ . ولذلك فقراءة واحدة تكفي ، قبل أن يتجاوزها الزمن ويخلفها وراءه .

بقي أن نقول بأن في القراءات المتعددة ثلاث فوائد : علاج للذاكرة ، وتغذية للوجدان ، وتمرين للذهن . ومن منا لا يحتاجها ؟

**************


4 Responses to “اقرأها مرة أخرى”

  1. July 28th, 2010 at 7:51 pm

    بروميثيوس says:

    جميل جدا. بورك فيك على الموضوع الممتاز.
    المشكلة أنني لا أميل كثيرا إلى إعادة قراءة ما سبق لي قراءته من كتب. رغم أنني أدرك أن هذا خطأ للأسباب التي ذكرتها في موضوعك. أتذكّر أنني قرأت أنواعا شتى من الكتب في مرحلة مبكّرة من عمري. وعندما كبرت وأصبحت أكثر قدرة على التمييز بين الأشياء أصبحت أعي بأن لكل مرحلة عمرية ما يناسبها من أنواع الكتب. لذا أميل إلى الاتفاق معك في أهمية إعادة القراءة لأنها تشحذ العقل وتنشّط الذاكرة وتفتح للإنسان أفقا أوسع. وتصبح المهمّة أكثر إلحاحا عندما يكتشف الإنسان انه لم يعد يتذكّر مضامين الكثير من الكتب التي قرأها في صباه رغم أن بعضها مهم جدا ومضمونه غير قابل للتقادم او النسيان .
    مع خالص تحياّتي.

  2. July 29th, 2010 at 12:50 pm

    عين الصقر says:

    بروميثوس
    لا بأس من الزيارات للكتب القديمة بين وقت وآخر ، تماماً كما نزور من يعزون علينا ونبرهم .
    أتصور أن قضاء الوقت مع كتاب قديم تعرف قيمته أفضل من إضاعة الوقت في كتاب جديد ولكنه خفيف وتافه .
    لك تحياتي وتقديري

  3. July 29th, 2010 at 1:51 pm

    Sebamboot says:

    منذ فترة وانت غائبة

    مرحبا بعودتك

  4. July 29th, 2010 at 2:34 pm

    عين الصقر says:

    سبمبوت
    لا بد من الشاشة وإن طار السفر !
    مرحباً بتعليقك

Leave a Reply