وعثاء السفر وكآبة المنظر !ا
في رحلة قصيرة إلى دبي ، كنتُ بصحبة ابنتي ، وكانت الطائرة تقلعُ بنا بانسياب رهيف ، بينما راحت المضيفات الأنيقات يحطننا بالرعاية ، وهن يرفلن بالبنفسجي الأنيق ، مطمئنات على ربطنا للأحزمة وتوفير وسائل الراحة من ماء قراح ووسائد لينة وسمّاعات تسكب في الآذان موسيقى هادئة تتناسب وانطلاقة السماء .
وكالعادة تناهى إلى الأسماع التسجيل الصوتي لدعاء السفر المبرمج على متن الخطوط المحلية ، ولكل الرحلات دون استثناء، فأهلاً بالدعاء فاتحة انطلاق ، وحرزاً ، وطاقة إيجابية ، وصلاة :
اللهم إنني أسألك في سفري هذا البرّ والتقوى . . ومن العمل ما ترضى
اللهم أنت الصاحب في السفر . . والخليفة في الأهل . .
وما أن وصل التسجيل الصوتي إلى القول : اللهم إني أعوذ بك من (وعثاء السفر) و (كآبة المنظر) ! حتى مالت عليَّ ابنتي هامسة بالسؤال : ما معنى (وعثاء السفر) و(كآبة المنظر) ؟!
ابتسمتُ في سري ، وتملكتني الحيرة وأنا أتلفت حولي أبحث عن (الوعثاء) ، ونحن محاطون بالرفاه والبنفسجي الأنيق ، وعبق المناديل الرطبة ، وصنوف المشروبات والتسالي ، وليس بيننا وبين محطة الوصول غير ساعة واحدة وبضع دقائق ! ثم أدير رأسي نحو نافذة الطائرة مستفتية الفضاء في مسألة (كآبة المنظر) ، لأفاجأ بأروع مشهد صاغه الله بقدرته ولطفه , وقدّر للإنسان أن يراه من علو شاهق ، حيث أشعة الشمس تنسكب من مساقط ماورائية ، هاشة قطعان الغيم نحو مراعي الله الزرقاء ، وحقوله المتورّدة بالبرتقال .
رحم الله من صاغ هذا الدعاء ، وجزاه خيراً على اجتهاده وحُسْن توجهه ، وصدقه مع نفسه وبيئته ، ورحم زمانه الغابر حين كان السفر جهاداً ومَهلكة ، والطريق مفازة ووحشة ، والوسيلة قافلة جمال ، والغاية (دونها خرط القتاد) ، في لغة ذلك الزمان !
حاولتُ أن أبحث عن مصدر نص (دعاء السفر) ، فلم أجده إلا في الكتب الميسرة للأعمال العبادية المتداولة ، وفي المطويات والمطبوعات التجارية التي تخلو من اعتماد مصدر أو مرجع أو اسم لقائل هذا الدعاء أو غيره من الأدعية المتداولة . مما يعني أن أمثلة هذه الأدعية هي من قبيل المأثورات المتناقلة شفاهاً ، حالها حال الأمثال والأقوال والحكم التي تظل راسخة ومتواترة في الذاكرة الشعبية ، تماماً كما تظل ذات دلالة وثائقية دامغة على العصر والبيئة وعلاقة الإنسان بهما .
أعود إلى سؤال ابنتي ، بعد أن اختلطت عليَّ معاني (الوعثاء) و (الكآبة) في رحلة الرفاه والجمال ، وجثم على قلبي السؤال الملحّ عن جدوى إسباغ القداسة على قول مأثور ، ما عاد يستجيب لمتغيرات العصر وانقلاب الأحوال ! ثم أليس لنا في هذا الزمان قلب يخفق ووجدان يتحرى الحاجة للتعبير عن الصلة الروحانية مع الخالق ، طلباً للحفظ والسلامة ، أو رغبة في القربى ، أو استئناساً بدعاء نزجيه بلغة وإحساس يخصنا ، ويشابه ملامحنا ، ويحاكي عصرنا ؟!
يبقى أن الصوت المنبعث بالدعاء على متن رحلاتنا المحلية ، مجرد تسجيل مبرمج ، دون أن نجرده من حُسن النية ، وصدق التوجه . مع أمنية خاصة أن يترك لنا مسؤولو الرحلات الجوية لحظة صمت وادعة ، نتلو خلالها ما يناسب أحوالنا ولحظاتنا الإيمانية من أدعية وابتهالات .
* * * * * * *
This entry was posted on Saturday, May 15th, 2010 at 4:58 pm and is filed under Uncategorized. You can follow any responses to this entry through the RSS 2.0 feed. You can leave a response, or trackback from your own site.

May 15th, 2010 at 8:41 pm
بصراحة
ما أحب هالدعاء
ولا كآبة المنظر وسوء المنقلب
مو وقته
ولا اللي يخافون من الطيارة
ممكن يختارون دعاء آخر
مع العلم بأني صارلي سنين ما ركبتها
:)
تحياتي
May 15th, 2010 at 9:15 pm
أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر فركب راحلته كبر ثلاثا ويقول سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون ثم يقول اللهم إني أسألك في سفري هذا من البر والتقوى ومن العمل ما ترضى اللهم هون علينا المسير واطو عنا بعد الأرض اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل اللهم اصحبنا في سفرنا واخلفنا في أهلنا وكان يقول إذا رجع إلى أهله آيبون إن شاء الله تائبون عابدون لربنا حامدون
الراوي: عبدالله بن عمر المحدث: الألباني – المصدر: صحيح الترمذي – الصفحة أو الرقم: 3447
خلاصة حكم المحدث: صحيح
………………….
أن ابن عمر علمهم ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر ، كبر ثلاثا ، ثم قال : سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين . وإنا إلى ربنا لمنقلبون . اللهم ! إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى . ومن العمل ما ترضى . اللهم ! هون علينا سفرنا هذا . واطو عنا بعده . اللهم ! أنت الصاحب في السفر . والخليفة في الأهل . اللهم ! إني أعوذ بك من وعثاء السفر ، وكآبة المنظر ، وسوء المنقلب ، في المال والأهل وإذا رجع قالهن . وزاد فيهن آيبون ، تائبون ، عابدون ، لربنا حامدون
الراوي: عبدالله بن عمر المحدث: مسلم – المصدر: صحيح مسلم – الصفحة أو الرقم: 1342
خلاصة حكم المحدث: صحيح
May 16th, 2010 at 12:49 am
المقوع الشرقي
وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب ، كلها موجودة على الخطوط الوطنية أيضاً !!
الله يهديهم إلى دعاء أكثر بهجة وتفاؤلاً إن شاء الله . . . شنسوي ؟ ؟
May 16th, 2010 at 1:23 am
To Heartfilter
كان النبي صلى الله عليه وسلم يردد هذا الدعاء إذا (ركب راحلته) أو (استوى على بعيره) ، كما تفضلت.
والسؤال : أليس من اللائق المحافظة على خصوصية الرواية وظرفها الزمني ؟
وعدم الزج بها في مقامات لا تستجيب لذلك الظرف ومتعلقاته المادية كالراحلة والبعير ؟
إن القليل من اللياقة في التعامل مع المأثورات النبوية أمر مطلوب في رأيي ،
كما أن الإنسان العامر قلبه بالإيمان له أيضاً وجدان يشعر وعقل يعي مواقع المقامات والأحوال ،
وفرض هذا اللون من الطقوس في الرحلات الجوية يضيق من مساحة غيرها من الأدعية المباركة ، وما أكثرها .
وشكراً على اهتمامك وتوضيحك
May 21st, 2010 at 11:31 pm
سمعت هذا الدعاء مرارا وفكّرت في ما فكّرت به.
لا إراديا يخطر بذهني وأنا اسمع “وعثاء السفر وكآبة” المنظر حوادث الطيران المروّعة.
وصدقاً تنسدّ نفسي ويتكدّر خاطري كلما سمعت هاتين العبارتين ولا املك لحظتها سوى أن أنكّس رأسي خوفا وهلعا.
معك حق في اقتراحك الأخير، لكني أظن من أن الصعب تحقيقه لان الناس ألفوا سماع هذا الدعاء في الجوّ والتخلي عنه قد يعني في أذهان بعض البسطاء التنكّر لدعاء يظنون أن الرسول الكريم قاله.
تحياتي وشكرا لك على الوصف الجميل والحمد لله على السلامة.
بروميثيوس