شيءٌ من الفلسفة
( تلتقي ديانات الشرق كلها في وجهة نظر واحدة ، مؤداها أن للكون روحاً واحداً أزلياً أبدياً ، تنبثق منه هذه الكائنات الأفراد لتقيم على السطح الظاهر حيناً ، ثم تعود فتندمج كما كانت في ذلك الروح الواحد الخالد . وإن هذه الكائنات التي تمر كأنها الظلال لهي من التنوع والكثرة بحيث يجوز لنا أن نتصور الجوهر الكوني أماً ولوداً، ما تنفك تخرج من جوفها ألوف الصور ، ثم لا تلبث أن تعيد ما أخرجته إلى جوفها من جديد : إنها تخرج الفضيلة والرذيلة معاً ، والجمال والقبح ، والتقوى والفجور ، ومن جوفها يخرج الغضب والجشع والفتك والإجرام ، ومن جوفها كذلك يخرج صفاء القديسين ونقاء الأطهار . لكن جانب الفضيلة هذا إنما يخرج ليكون صورة معبرة عن روح العالم وهو في سكونه وصمته ، لأن السكينة والصمت هما من الكون جانبه الأبدي الذي لا تفسده العواطف والانفعالات والكدح العابث المغرور .
وروح العالم إذ يعبرعن نفسه في كلتا الصورتين : صورة الطمع والجشع والتناحر والقتال ، وصورة العفة والترفع والسكينة والصمت والتأمل ، إنما يهيئ للإنسان بذلك سبيلاً لتحقيق حريته بمعناها الصحيح . ولو استطاع الإنسان أن ينجو من تيار الحياة العملية المضطربة ليخلد إلى ذات نفسه في سكينة وتأمل ، لاستطاع أن يحقق لنفسه الحرية بمعناها القويم .
كثيراً ما يتهم الغربيون أهل الشرق بأنهم قد فرضوا على أنفسهم الأغلال التي تحدّ من حريتهم ، باعتقادهم في القدر المحدد المرسوم ، مع أننا لو تعقبنا النظرة العلمية الغربية والنظرة الشرقية الصوفية إلى أصولهما ، لتبين أن مغلول الحرية هو صاحب النظرة الأولى . أليس العلم عند أصحاب النظرة العلمية منتهياً بهم إلى معرفة العالم معرفة كاملة ؟ وإذا كان الأمر كذلك ، أفلا يكون معنى هذا هو أن العالم قد خرج كله إلى دنيا التحقق الفعلي ، فتحددت صفاته وخصائصه ، وما علينا بعد ذلك إلا أن نرفع النقاب عن هذه الخصائص والصفات لنحيط بكل شيء علماً؟ أين إذن تكون الحرية في تغيير ما هو كائن بالفعل ؟
فقد يستقل المسافر الغربي في مدينة شرقية سيارة ساعة معينة ، حاسباً حسابه بأنه سيبلغ جهته المقصودة في كذا من الدقائق ، وكم تكون دهشته حين يسأل السائق الشرقي : ألا تكفينا عشر دقائق لنقطع المسافة إلى المكان الفلاني ؟ فيجيبه السائق الشرقي بما معناه ” إن شاء الله ” ! لأن الشرقي في صميمه يحس أن مجرى الأمور معرض للتغير ، ولا يدعي حسابه حساباً دقيقاً إلا جاهل . فأي هاتين النظرتين تتمشى مع الحرية الحقيقية ، وأيها يناقضها ؟
أيكون الغربي مؤمناً بالحرية الكونية حين يزعم أن الأمور دقيقها وجليلها قد رسمت رسماً لا سبيل إلى تغييره وتحويره ؟ أم يكون الشرقي مؤمناً بالقدر المغلق المقفل حين يتصور أن الأمور تحتمل أن تجري على غير ما حسب لها الحاسبون ؟
الفرق بين الرجلين هو هذا : رجل يعطي الحرية للإنسان الفرد ويسلبها من الكون في مجموعه ، وآخر يعطي الحرية للكون في مجموعه بما فيه الإنسان باعتباره جزءاً منه ، ويسلبها من الإنسان الفرد من حيث هو فرد منعزل مستقل عن الكون العظيم).
د. زكي نجيب محمود / من كتاب : الشرق الفنان
* * * * * *
This entry was posted on Wednesday, May 12th, 2010 at 11:26 pm and is filed under Uncategorized. You can follow any responses to this entry through the RSS 2.0 feed. You can leave a response, or trackback from your own site.

May 13th, 2010 at 12:32 am
مساء الخير
كنت بين خيارين
أن أستمع أولا أو أن أقرأ
أستمعت الى موسيقى ولا أجمل
ومن ثم قرأت
أعتقد يشعر الغربي أو اللاديني بضعفه الحقيقي وقلقه..ازاء الكو ن حتىوأن ظن أنه سيد قراره
بينما الشرقي بتواصله مع الخالق ..يجد في هذا التواصل نوعا من الطمأنينه
بل أن التسليم يخفف عنه العبء
ككونه مسيرا لا مخيرا
يختصرها بأرادة الخالق
دمت بخير
May 13th, 2010 at 4:49 am
Tweets that mention 3ain Saqr » Blog Archive » شيءٌ من الفلسفة -- Topsy.com says:[...] This post was mentioned on Twitter by Kuwait Bloggers, Kuwait Bloggers. Kuwait Bloggers said: شيءٌ من الفلسفة: ( تلتقي ديانات الشرق كلها في وجهة نظر واحدة ، مؤداها أن للكون روحاً واحداً أزلي… http://bit.ly/a30jPZ http://www.Q8Bloggers.com [...]
May 13th, 2010 at 5:33 pm
المقوع الشرقي
الحمد لله على سلامة العودة للتدوين ، وإن شاء الله تكون الراحة أفادت وجددت الروح والعقل .
شدني البوست المنشور عن بيع هارودز ، فتركتُ لكِ تعليقاً عبّر عن مشاعر حقيقية .
شكراً لمرورك وتواصلك
May 14th, 2010 at 12:38 am
فلسفة رائعة للدكتور زكي نجيب
وحقيقتا نحن في بعض الأمور مصيرين وبعضها مخيرين ولكن في كلا الحالتين لا نعلم الغيب
تحياتي لك