3ain Saqr

Flower

خارج السياق

أهرب من اسمي !

abstract-open_~k0864168

أعتقد ، ولعلي لا أجانب الصواب ، بأن من أهم معوقات الكتابة الصادقة صحفية كانت أم إبداعية ، ما يمكن أن نسميه سُلطة ” الأنا ” أو حضور ال ” ego” . فالأنا أوالذاتية أو ال ” ego” تفرض على الإنسان شاء أم أبى الكمون في قالب محدد ممهور باسمه وسمته وجنسه وثقافته . وهو قالب صارم يملي شروطه الخاصة التي من أهمها المحافظة على هذا ” الاسم” والدفاع عن خصوصيته ، واللعب داخل حدوده لا غير.

ورغم أن قصة جهاد الإنسان في سبيل تنمية ذاته وإبرازها تظل قصة طويلة ومؤثرة ، تمتد طوال الحياة أو معظمها ، وتكاد تشبه في احتدامها ووهجها غريزة الصراع من أجل البقاء وحفظ النوع ، إلاَ أن حضور هذه الذات يوقع صاحبها حين الكتابة في محاذير جمة تتعلق معظمها فيما يفرضه الاسم من قيود وأغلال تلجم الكتابة الحرة أو تقننها أو في أحسن الأحوال تفبركها في أطر المجاز والرمز والإيماء . ناهيك عن أن الارتباط بالاسم والسمة يكرّس الشخصية النمطية للكاتب في عين قرّائه ويؤطرها بملامح لا فكاك منها ، ومن ثمّ تنسحب هذه النمطية على شخصية الكاتب حين الدخول في طقس الكتابة ، فيتقولب في ذلك الإطار المحدد ولا يجرؤ على إحداث أية انزياحات قد (تسيء) إلى قالبه النمطي أو تعرّضه للبعثرة والتفكك ، فيكمن داخل قفصه الحديدي لا يريم .

مَن يستطيع أن ينطلق نحو كتابة حرة سيّالة بالصدق والتوهّج دون أن يتعثر بحبال حياته الشخصية ، أو بوحه النفسي ، أو شطحاته وهواجسه ، أو خطوط مجتمعه الحُمر , أو تابوهات التقاليد والمعتقدات ؟ ما الذي يحول دون ذلك غير الرغبة في المحافظة على (الاسم) ؟!

لن أدخل في حوار بيزنطي حول حريات التعبير والكتابة وحدودها ، ولكني أعتقد بأن ارتباط الكاتب باسمه وسمته يبقيه في زاوية الحصار والخشية متمترساً وراء هذا السجن الأثير الوثير خالقاً لنفسه تابوهاً إضافياً من صنع يده .

إن الميل إلى التعتيم على الذات والخشية من انكشافها حين الكتابة يبدو تراثاً ممتداً منذ بواكير الكتابة الإبداعية ، فتماضر بنت شريد السلمي تقنّعت بقناع الخنساء ثم بكت ما شاء لها البكاء ، و(ألف ليلة وليلة) ظلت بلا مؤلف ! وهي الأكثر شطحاً في الخيال والأشدّ احتداماً في المشاعر والغرائز! و (كليلة ودمنة) تُقص على ألسنة الحيوان ! وهي الأكثر جرأة وحكمة وحنكة! ناهيك عن (المقامات) التي نأى مؤلفوها بأنفسهم عن أن يكونوا طرفاً في أحداثها المغرقة بالتبكيت والتنكيت وكشف عورات الطبقات الشعبية ، فعزوها إلى رواة وهميين كابن هشام وأبي الفتح الإسكندري وأبي زيد السروجي وغيرهم ، وبقي المؤلفون الحقيقيون محافظين على المسافة الفاصلة بين ذواتهم وبين تلك المشاهد الحارة ، وكأن لا ناقة لهم ولا جمل فيما يحدث ! ولن نطيل الوقوف عند من سبقهم في تفضيل الكنية على الاسم كالنابغة والأعشى والمُقنّع والمهلهل وذي الرمة والمتنبي والجاحظ وأبي نواس .. إلخ من الذين وفرت لهم المسافة الفاصلة عن أسمائهم ليس شهرة واسعة فقط ، وإنما قدرة على الإبداع الحرّ لا تُضاهى.

وتمتدّ الرغبة في كسر حاجز (الاسم) إلى عصرنا الراهن ، فتظهر (بنت الشاطيء) و (بدوي الجبل) و (باحثة البادية) و (الأخطل الصغير) و (أدونيس) وغيرهم ، محاولين جميعاً التحرّر من أسمائهم وأسرها ، راغبين - ربما – في سياحة أوسع مدى .

ورغم أن فضيلة إنكار الذات كانت ولا تزال من فضائل النفس في ثقافتنا خاصة وفي فلسفة الأخلاق بشكل عام ، إلا أن التخلي عن (الاسم) في الإنجاز الفردي تبقى مسألة قد تدلّ على الشجاعة – ربما – ، أو هي طلب للترقي إلى ما وراء الاسم والرسم – أحياناً – ، أو لعله الزهد في الظهور والإعلان ، أو هو في أضعف الاحتمالات إيثار للسلامة والأمن .

أليس مغرياً أن نكون بلا اسم حين الدخول في طقس الكتابة ؟

أليس المهم ماذا نكتب ؟ لا من نحن ومن نكون ؟

” أهربُ من اسمي ” ، أختاره عنواناً لمقالي هذا ، وأختار ” عين الصقر ” اسماً مستعاراً ، و ” خارج السياق ” عنواناً لعمودي ،على أمل أن أكون خارج سياق ذاتي وخارج سجنها .

قد أكون رجلاً أو أكون امرأة ، قد أكون في الخمسين من العمر أو في الثلاثين أو حتى في عشرينياتي . قد أكون رجل أعمال هارباً من الأرقام ، أو معلمة مدرسة أو ربة بيت ، أو موظفاً متقاعداً ملّ روتين يومه ، أو أستاذاً جامعياً ، أو حتى شابة يافعة تهوى السيارات الفارهة والسهر على الإنترنت .

(أو) و (أو) … تفتح أمامي منافذ السياحة في شتى الجهات … تتيح اللعب على المتناقضات ، والنظر في وجوه الحياة المتعددة ، وتجريب الضحك والبكاء دون وجل .

أخلع اسمي وأتهيّأ للقفز خارج السياق .

4 Responses to “خارج السياق”

  1. May 25th, 2009 at 1:56 pm

    sanaa says:

    عين الصقر اسم على مسمى واحسن كل كاتب لا يصرح عن اسمه لان الناس
    بتنسب كتابته وفقا لشخصيته ومعايير انتمائته لكن الكاتب
    الصادق لا يستطيع ان يخبى شئيا يجول فى حاطره ومشاعرة فهو يسبح فى تجسيد مايعشر به فى الحالة الذى يعشها عند كتابة شىء الف مبروك لك على اخيتارك لاسم عين الصقر لانها العين الحادة الوحيدة الى ترى الاشياء المغايرة للحقيقة
    سناء الوكيل – لندن

  2. May 27th, 2009 at 6:55 pm

    Hiyam Haddad says:

    Dear 3ainsaqr

    I open your website every day tamaan fi ann ajed new article.

    I am addict to your writing

  3. June 3rd, 2009 at 6:50 pm

    عين الصقر says:

    دمتِ لنا قارئة وصديقة ، وكم يسرني تواصلك وإخلاصك

  4. June 6th, 2009 at 5:28 pm

    Hiyam Haddad says:

    الى عين الصقر

    استمتعت بمقاللاتكم عن الروحانيات واود وتحضرني هنا حادثة حصلت معي عام 1980 حيث زرت مصر لاولمرة بعد سكني في لندن لمدن اربعة سنوات وفي القاهرة استيقظت على صوت الاذان حيث كان الجامع على مسافة بضعة امتار من الغرفة التي كنت انام فيهايومئذ وانتشيت بهذا الدعاء للصلاة حيث افتقدت هذا الصوت كثيرا مدة سكني في لندن فما كان مني في اليوم الثاني الا حضرت المسجل وانتظرت الاذان لأسجله واستمتع في السماع اليه في لندن. طبعا اليوم هناك جهاز راديو مخصوص للاذان وغيرة من التكنولوجيا والسلام عليكم هيام

Leave a Reply