3ain Saqr

Flower

Archive for July 29th, 2010

تماثيل الملح

dali27

الذكرى حالة وجدانية وذهنية صرفة ، تلعب فيها المخيلة دوراً شعرياً وجمالياً بديعاً لا مثيل له في غناه ونضارته وتجدده الدائم . وكأني بالذكرى نافورة للروح أو ينبوع ماورائي ينضح بغضارة العمر وماء الشباب !

كثير منا لا يقنع بهذا الخيال الشعري ، أو يدعه في غفوته الهانئة ، وإنما يظن – جاهلاً – أن باستطاعته أن يجمع الغيم أو يصطاد الدخان ! فيجدّ ويجتهد في محاولة منه لإعادة الماضي ومطاردة الزمن ، كما يفعل صائد الخيول البرية الجامحة حين يلقي بأنشوطته في الهواء ، فتعود خائبة ، أو في أحسن الأحوال تكبّه على وجهه معفراً ، في حالة علوقها بما يشبه رأس فرس جامح ما عاد يسكن براري القلب !

قد تستدرجنا الذكرى كما يُستدرج الطفل الضغير إلى قطعة حلوى ، فنسير وراءها من أجل أن نجدد العهد بصداقة قديمة تفصلنا عنها سنوات طوال ، فنذهب إلى الموعد والمخيلة يانعة بصور الوجه القديم ودفء الأيام الخوالي وحميمية الصلات السالفة ، فنفاجأ بالسراب والهشيم ، وإن الوجه لم يعد هو ، والدفء بات صقيعاً وغربة ، والجلسة ليست سوى مجاملات باهتة ونفخ في الرماد !!

وقد تخاتلنا الذكرى مرة أخرى ، فتأخذنا من أيدينا كالعميان إلى مرابع طفولتنا أو مدرستنا الإبتدائية أو بيتنا القديم أو مدينة عشنا فيها أو مصيف لهونا بين بساتينه ، وكالعميان ننطلق نحو الزمن الضائع والطفل الذي كان والأيام المتورّدة بالحنين والشغف ، لنسقط في هوة الحسرة والخيبة . فالعالم الذي نام في المخيلة ليس هو هذا الطلل الحائل ، المتسربل بالصيرورة ، الآيل إلى الذبول والفناء .

ولعل من الأمور الداعية إلى التهكم والسخرية ، ما ندّعيه دائماً بأن الآخرين أو الأشياء هي التي تغيرت ظواهرها وشاخت بواطنها ، متجاهلين ما يحدث لنا شخصياً من تغيرات في المظهر والمخبر ، ناكرين ما يفعله الزمن بنا كما فعل بغيرنا ! ولا يحوجنا الأمر للتأكد من ذلك غير أن ننظر في المرآة بتمعن ، أو نستفتي أرواحنا وأفئدتنا في لحظة صدق .

أستذكر في هذا المقام قصة امرأة لوط ، حين حُذرتْ من النظر إلى الوراء ، لأن إمعان النظر فيما مضى سيقود إلى ملا يُحمد عقباه حين تتحول إلى تمثال من الملح . وكأني بالقصة التوراتية تلقننا درساً في التقليل من الانغماس في الماضي أو التحايل على بعثه وإحيائه لئلا نتحول إلى تماثيل من الملح والخيبة .

إن الذكرى تظل حالة وجدانية وذهنية لا غير ، وجمالها يكمن في شعريتها وقدرتها على ملء تجاويف الروح والقلب لئلا تصفر فينا الريح . ورغم ضرورة الانكباب على صناعة الحياة الآنية والواقعية ، تظل سمة التذكر والتخيل أجما ما فينا .


الجريدة :  27 – 7 – 2010 م

*************

You are currently browsing the 3ain Saqr blog archives for the day Thursday, July 29th, 2010.