Archive for July 27th, 2010
اقرأها مرة أخرى
بدأتُ – والحمد لله – تقليداً أو عادة كانت متواترة عندي منذ زمن ، وأنا الآن أحاول أن أجعلها طقساً من طقوس ما قبل النوم ، وأعني بذلك إشباع الهوس بإعادة قراءة الكتب التي سبقت قراءتها سلفاً .
ليس للمسألة علاقة بالمتاح من الفراغ أو قلة اقتناع بما تقذفه المطابع وتعرضه دور النشر من جديد المؤلفات ، ولكن للمسألة في يقيني وجهاً آخر ، فأنا من الذين يعتقدون بأن أي كتاب يحرّضك على قراءته للمرة الثانية على الأقل ، فهو كتاب مميز وذو بصمة .
للقراءة الثانية متعة عجيبة ، فالقارئ يمتلك سلفاً خارطة عامة لمعالم الموضوع أو الحدث ، ولكن تبقى للتفاصيل الصغيرة والإشارات الموحية ومواقع المعاني والألفاظ ، حين استحضارها من جديد ، لذة نادرة ، تُذكّر بطعم قهوة معتقة شربتها ذات أصيل على شرفة صيفية ، تتزحلق في وادٍ ذي زرع وخضرة وضباب .
قد يكون لخيانة الذاكرة دور في هذه المتعة ، حين ترمم أثناء القراءة الثقوب والخيوط الضائعة في النسيان ، فتخلق لنفسك نسيجاً آخر من قماشة لحمتها ما بقي في الذاكرة ، وسداها ما نسيته ، فتفرح بهذا المخلوق الجديد وكأنه ابنك الضال الذي عاد بعد عقوق .
ليس كل الكتب صالحة لإعادة القراءة ، وإنما أعتقد بأن أجدرها بالإعادة الكتب الأدبية على وجه الخصوص ، والأعمال الإبداعية على وجه أخص . ففي هذه الأعمال يظل قلب الإنسان ووجدانه كامناً كالجمرة المباركة التي وإن غلفها الرماد عبر الأيام فإنها تبقى كامنة ومتوقدة وأبدية أيضاً ، ولا تحتاج إلا إلى نفخة خفيفة لتعود إلى الحرارة والتوقّد . من منا لا يستلذ ذلك البوح الشجي في رائعة (الأيام) لطه حسين ، أو رواية (بقايا صور) لحنا مينة ، وإن قرأهما للمرة المئة ؟ من منا لا تمتلئ نفسه بالغبطة والعنفوان كلما أعاد قراءة روايات (زوربا) أو (العطر) أو (ثلاثية نجيب محفوظ) ؟ من منا لا يستطعم لحم الألم وعظمه في سير حياتية مؤثرة مثل (رحلة جبلية رحلة صعبة) لفدوى طوقان و (خارج المكان) لإدوارد سعيد و (فسيفساء دمشقية) لغادة السمان ، مرة بعد مرة كما يفعل مدمنو الأفيون أو مرضى الماسوشية ؟ ومن منا لا تطنّ رأسه بالأسئلة القديمة المتجددة كلما أطال القراءة في (اولاد حارتنا) أو (هكذا تكلم زرادشت) أو (رباعيات الخيام) ؟ أما الإدمان على استرجاع حكمة المتنبي ، ووجودية أبي العلاء ، وعدمية طرفة ، واحتفالية أبي نواس كلما عنّت الحاجة ، فتلك مسألة لا تحتاج إلى تنويه أو تذكير .
هذا الانحياز لإعادة القراءة في الكتب الإبداعية خاصة ، ليس مجرد ميل شخصي ، ولكنني أرى بأن فرقاً جوهرياً بين هذه الكتب وكتب المعارف الأخرى ، التي بالطبع تفيض عن الحصر لتشعبها ووفرتها المفرطة في عصر الانفجار المعرفي . وهذا الفرق يتمثل في الأصالة المتجددة في الأعمال الإبداعية ، والتي تظل خالدة لا تخبو ولا تنحسر على مر الزمن ، لارتباطها بحاجات الإنسان النفسية والروحية . وقد تحدث أرسطو في تنظيره للمأساة والملهاة عن هذه الحاجات الأساسية ، ومدى تأثيرها في إثارة مشاعر الشفقة والرأفة أو المرح والغبطة . وكلها وجدانيات أصيلة ومتجذرة في تكوين الإنسان الذي سيظل يجدّ في محاولة إشباعها وتحقيقها ما وسعه ذلك .
أما كتب المعارف الأخرى وتفريعات العلوم النظرية ، فتظل مجرد محطات معرفية قابلة دائماً لأن يجبّ أحدها الآخر وينسخه ويلغيه ، ما دام التطور والارتقاء ديدن هذه العلوم وقانونها الراسخ . ولذلك فقراءة واحدة تكفي ، قبل أن يتجاوزها الزمن ويخلفها وراءه .
بقي أن نقول بأن في القراءات المتعددة ثلاث فوائد : علاج للذاكرة ، وتغذية للوجدان ، وتمرين للذهن . ومن منا لا يحتاجها ؟
**************
You are currently browsing the 3ain Saqr blog archives for the day Tuesday, July 27th, 2010.
