3ain Saqr

Flower

Archive for July 18th, 2010

في الروحانيات 3-3

أذان الفجر وأجراس الريح


work.2607587.2.flat,550x550,075,f.zen-tree


نوهتُ في المقالة السابقة بأساسيات فن الزن Zen ، ومنها موضوع التأمل Meditation وأهدافه وأدواته ، وألمحتُ إلى رواج هذه الرياضة الروحية عالمياً ووصول بعض آثارها إلينا .

وقبل الانتقال إلى الحديث عن هدف هذا الجزء الثالث من الموضوع ، أود أن أؤكد في البدء على أنني أطمح أن أكون من أولئك الذين يوصفون بسعة الأفق والتسامح والقبول للآخر ، وأؤمن كذلك بالتكامل والتواشج بين الفلسفات والأديان والثقافات الإنسانية التي ما فتأت تجدُّ عبر رحلاتها المضنية للتأسيس لحضارة الإنسان على هذا الكوكب . ولهذا فإنني أهدف من خلال المقارنة بين روحانياتهم وروحانيتنا إلى ما يعزز نظرتي تلك ويؤكّدها ، بعيداً عن تسفيه معتقدات الآخر أو انتقاصه أو الاستعلاء عليه .

إن الإنسان هو الإنسان كائناً ما كان جنسه أو دينه أو لونه ، وبحثه عن الأمان النفسي والسكينة الروحية كان وما يزال يشكل الظمأ الأشد والرغبة الأكثر إلحاحاً ، وكما يبحث البوذي عن سبل الروحانية ، كذلك يفعل المسيحي والمسلم وغيرهما . ومن خلال العرض السابق لفلسفة الزن ، لعلي ألاحظ ويلاحظ غيري من القراء الكرام ذلك التشابه العجيب بين روحانيتهم وروحانيتنا الإسلامية ، ليس في الجوهر فقط ، وإنما حتى في بعض الطقوس وأدوات ممارسة تلك الطقوس .

فالجوهر الروحاني يتمثل في اجتهاد المؤمن في إخلاء القلب والروح من الماديات ومتعلقاتها ، والطموح للتواصل مع المطلق (الله في جلاله وعظمته) ، وما توفره هذه الرحلة من مكابدة وجهاد للوصول إلى حالة من الاستنارة ، وهي حالة كثيراً ما تحدّث عنها المتصوفة من المسلمين ، وإن بلغة ومصطلحات وأشواق ذات نكهة خاصة .

أما التأمل meditation ، فما هو إلاّ (الصلاة) أو (الدعاء) ، اللذان رافقا الإنسان في أطواره المختلفة وعبر تاريخه العقائدي . والانقطاع في (التأمل) هو ذاته الانقطاع في (الصلاة) حين التوجه للديان العظيم وطرح الأسباب والمشاغل الدنيوية ساعة الخلوة ومثول العبد بين يدي ربه . وكلما كانت الصلاة خالصة لوجه الله وصاعدة من قلب نقي ونفس خالية من المشاغل ، كلما كانت طريقاً للاستنارة والرضى والسلام الروحي .

أما ما يسبق جلسة (التأمل) من طقوس مقاربة الماء ، فهو عينه ما عندنا من واجبات الاستنجاء والغُسل والوضوء قبل الصلاة ، بل هو ذات المضمضة والاستنشاق وغسل الأيدي والأرجل ومسح الرأس . وإذا جئنا إلى بعض أدوات التأمل كتعليقة الريح وكرات التأمل – والتي سبق شرح وظائفها في المقالة السابقة – فإننا نجد لها متشابهات في ديننا أعظم أثراً وأشد التصاقاً بالذاكرة الإيمانية . فصوت الأذان في الفجر وترددات أصوات المؤذنين حين تُرفع من مساجد عدة في ذات الوقت ، له من الأثر النفسي والنشوة الروحية ما يعادل أضعاف دندنات (تعليقة الريح) سالفة الذكر . أما (كرات التأمل) فيعادلها عندنا (المسبحة) بخرزاتها التي تكر على أطراف الأصابع ممزوجة بتسبيحات (الله أكبر) (الحمد لله) (سبحان الله) ، ليشكلا معاً : الملمس وترددات الصوت المهموس ، تهويمةً ابتهالية ذات قدرة عجيبة على إحداث الغبطة الروحية والتوازن النفسي ، وإطلاق طاقة إيجابية يصحُّ بها الجسم والأعضاء .

لم يبقَ إلاّ أن نعرج في النهاية على بعض المفاهيم الإيمانية المشتركة ، كإنكار الذات والبُعد عن الخُيلاء، والتحلي بالتسامح والعفو، وذلك من خلال طرح الماضي والتأكيد على الإخلاص للحظة حين ممارسة التأمل أو الصلاة ، وكذلك الصبر والاحتساب في الألم والمحنة ، والتسليم التام للمشيئة الإلهية التي لا بد أن تأخذ مساراتها دون معاندة أو صِدام . وأخيراً الإيمان بأن المحن والكربات ما هي إلاّ اختبارات للتعلم والاستعلاء بالروح وصقل معدنها .

من خلال هذا العرض الذي جاء أشبه بالمقارنة بين روحانيتهم وروحانيتنا ، يتبدى لنا أمران : الأول ، هو التساؤل عن جدوى الصِدام المفتعل بين الأديان والعقائد ، ما دامت ترتكز على ذات الخطوط العامة ؟ أما الخصوصية في كل عقيدة فتلك نعمة أخرى ومدعاة للشعور بالتميُّز والاختلاف المحمود . أما الأمر الثاني ، فهو الدعوة إلى التفكر في روحانيتنا الإسلامية وبمدى الثراء والغنى الذي اشتملت عليه كعقيدة وممارسة ، وكونها قادرة على استيعاب الأديان والملل ونسخها بهذه الصورة الراقية الخالية من الوثنية والخرافة .

لم يبقَ إلاّ أن نتمنى على المشتغلين في الترويج لليقظة الروحية والتنمية الذاتية أن يخففوا من ارتهانهم للمناهج والأدوات المقتبسة من مؤلفات الغرب وتقنيات الشرق ، ويعكفوا على التنقيب في مناجم روحانيتنا الإسلامية ، وخاصة تلك التي تمس الإنسان الفرد العاري ، الذي خُلق (وحيداً) ، وأُمِر أن (يكدح كدحاً) ، ويستعين (بالصبر والصلاة) خلال رحلته الإيمانية المحفوفة بالنَّصب والمجاهدة .


*****************

You are currently browsing the 3ain Saqr blog archives for the day Sunday, July 18th, 2010.