3ain Saqr

Flower

Archive for June, 2010

الفصاميون

midtown_050copylast

تابعتُ بكثير من الشغف والاهتمام فيلماً عُرض منذ فترة على إحدى القنوات التلفزيونية بعنوان Beautiful Mind (العقل الرائع) ، وهو فيلم يحكي قصة حياة البروفسور John Nash جون ناش ، أحد العقول المبدعة في مجال الرياضيات وعلم الاقتصاد ، وقد نال جائزة نوبل عام 1995 لإنجازاته الفذة في مجال تخصصه.

لم تكن مسألة الإبداع والجائزة الرفيعة مثار العجب لديّ ، فمثله كثيرون أنجزوا ما يخدم البشرية ونالوا جائزة نوبل ، ولكن مثار عجبي انحصر في كون البروفسور ناش من مرضى الفصام ، وهو مرض نفسي وعقلي ذو آثار وأعراض مؤلمة وشديدة الوطأة على المريض وأسرته ومحيطه الاجتماعي والمهني .

ويأتي سبب آخر لاهتمامي الشديد في متابعة الفيلم ، وهو إيقاظه لذكريات وأوقات عسيرة قضيتها مع قريب لي خصني بحكايته مع محنة الفصام . إذ لا أزال أذكر صدمته الشديدة وذعره وهو يحكي لي عن ابنه ذي الستة عشر ربيعاً ، وتحوله المفاجئ من شاب كامل الأوصاف في وسامته ومرحه وإقباله على الحياة ، واستواء خلقته وخلقه إلى كائن غريب استولت عليه الهلوسات والتخيلات الجامحة ، وسكنته أرواح غريبة وأطياف تخاطبه ويخاطبها وتجره نحو الحضيض ، وتأمره بإتيان أفعال وأقوال فيها من العنف والشطح والغرابة ما أحال حياة الأسرة كلها إلى جحيم لا يُطاق. ناهيك عن سلسلة أخرى مؤلمة من الأعراض كالانهيارات العصبية والهياج المفاجئ بلا سبب ، وكادعاء التواصل مع قوى غيبية كالأنبياء أو الجن والشياطين وضرورة الامتثال للرسائل الواردة منهم والعمل بموجبها ! ثم ينتهي الأمر به إلى الانفصال التام عن الواقع الحياتي ومجرياته ، والعيش في سرداب عالم انغلق على الرعب والخوف والظلمة .

كنت أستعيد روايات قريبي بخصوص ابنه وأنا أتابع فيلم Beautiful Mind وأرى مدى التشابه إن لم يكن التطابق بين مشاهد الفيلم وبينه ، وأنا أدعو الله أن يعينه على بلائه . لقد مضى على حكاية قريبي بضع سنوات ، وقد أدركت من أحاديثه المتقطعة بعد ذلك خضوع ابنه للعلاج الدوائي وللمراجعات لعيادات مستشفى الطب النفسي بين آن وآخر . أيقظ فيَّ الفيلم واستعادة الذكريات الرغبة في مهاتفة قريبي للاطمئنان والسؤال عن الأحوال ، فأنبأني باستفادة ابنه من العلاج ، وإنه حالياً يعيش حياة شبه طبيعية ، ولكن الاستمرار في العلاج بالأدوية بات أمراً ضرورياً للمحافظة على حياة سوية . قال ذلك ثم أطلق تنهيدة عميقة فهمتُ منها أن للحديث عن الهموم بقية ، فاستدرجته للفضفضة استئناساً بحميمية العلاقة والقرب النفسي .

قال : طوال معايشتي لأعراض ابني المرضية ، كنتُ أظن أنه حالة نادرة وشاذة ولا مثيل لها ، لأنني لم يسبق لي أن رأيت أو سمعت أنها حصلت لأحد ممن أعرف أو لا أعرف ! وظللتُ أعيش تحت وطأة ألم وعزلة وحَرَج لا يعلمها إلا الله . ولكن دعني أقول لك أنه كلما راجعتُ مستشفى الطب النفسي كل شهرين أو ثلاثة لأصرف أدوية ابني يزداد شعوري بالألم والعزلة حين أرى أعداد المراجعين الكبيرة وهم يتسلمون ذات الأدوية ! وألمي ناتج ليس من إدراكي لكثرة المصابين بالفصام أو غيره من الأمراض النفسية لدينا فقط، وإنما لبقاء المرضى أو آبائهم وأسرهم ضحايا العزلة والصمت والحرج ! كنا نجلس جميعاً وبأعداد لا يُستهان بها في قاعة الانتظار ، من مختلف الأعمار ، نساء ورجال ، شباب وكهول منتظرين أن يُنادى على أرقامنا لاستلام الأدوية ، وكل واحد منا ملتحف بصمته وحذره ، كل منا يعاني وحده ، ووحده يسبح في فضاء من العزلة والوحدة وقد تقطّعت به الأسباب !

أكمل : أؤمن أنه لا أحد يستطيع أن يدفع البلاء المقدّر عن نفسه أو أبنائه أو أسرته ، ولكن انقطاع الحوار والتواصل في مجتمعنا بين المشتركين في البلاء أمر يثير الشجن ، وخاصة إذا كان مرضاً كمرض الفصام. تنهّد مُحدثي بحرقة ثم أكمل : لا شك أن هناك كماً كبيراً من الأسئلة تؤرّق كل منا ، أسئلة حول أساليب التعايش مع أبنائنا المرضى ، حول تطورات المرض وأعراضه ، أسئلة حول تجاربنا المختلفة مع كل حالة، حول السبل المعرفية المتاحة لتوسيع مداركنا وإثراء معلوماتنا حول المرض وحول آخر ما توصل له الطب وأساليب العلاج الحديثة . . . وكم نحن بحاجة أكثر من كل ذلك إلى أن نتعلم من تجارب بعضنا ونتبادل الخبرات ، وأخيراً ولعله الأهم أن نتشارك الهموم ونكسر حواجز العزلة ، ونتخلص من الحرج والشعور بالعار والعيب من أن يكون في بيت أي منا مريض بالفصام .

حاولت في نهاية حديثنا أن أخفف عن محدثي همومه وألمه , وأن أصرف انتباهه إلى الجانب الإيجابي في المسألة ، فحدثته عن فيلم Beautiful Mind (العقل الرائع) ، وعن البروفسور ناش مريض الفصام الذي نال جائزة نوبل . لم أكن أبيعه كلاماً رخيصاً أو أتملقه بحديث يُخدّر وجعه ، وإنما الحقيقة أن مرض الفصام لا يصيب إلا جزء من خلايا الدماغ وليس كله ، بمعنى أن الخلايا السليمة تظل تعمل بكفاءة عالية قد تصل بصاحبها إلى النبوغ . ولعل استقراء سريع لسير حياة مجموعة من الفنانين والعلماء والشعراء والسياسيين العظام يزودنا بمعلومات مؤكدة عن فصاميتهم وأطوارهم الغريبة وشذوذهم ، وهي أعراض تسير جنباً إلى جنب مع مواهبهم النادرة. حقاً إن لله في خلقه شئون !

لم يبقَ إلا أن أتمنى كمحدثي أن يأتي اليوم الذي تُفتح فيه النوافذ على هذا المرض دون وجل أو خجل ، وأن تمتد الجسور بين أسر المرضى من خلال حلقات الحوار والتواصل ، الأمر الذي سوف يفضي بنا إلى التعامل مع الفصاميين بإنسانية وفهم بعيداً عن السخرية والانتقاص أو التبرؤ والتجاهل .

*******************

أسراري الستة

best-friends

1. لم أبكِ حين مات أبي ، وما زلتُ لا أعرف السبب !

2. الحب الأول حين كنتُ في السادسة والعشرين .

3. لا أحب أي نوع من أنواع القهوة التي يقدمها ستار بكس ، سواءً أكانت ساخنة أم باردة ، ولكنني أرتاح لجلسة المقهى وأجوائه.

4. أكره شخصاً اسمه خالد العبدالجليل ، وأكره سوالفه الماسخة ، ومجازاته المفتعلة ، وتعبيراته الأشبه بسوالف حريم (شاي الضحى) ، رغم أنه يعتقد أنه نجم النجوم ، وتعتقد محطة الوطن أن برنامجه الأكثر مشاهدة !

5.أعشق مشاهدة أفلام ميريل ستريب وريتشارد جير .

6. اعتدتُ أن أجمع في ملف خاص الصور التي تعجبني ، وكثيراً ما أعرضها ضمن الموضوعات المكتوبة في هذا الموقع ، ما عدا هذه الصورة أعلاه . فرغم إعجابي الشديد باللقطة وما تحمله من معنى ، إلا أنني لم أجد ما يناسبها من مواضيع حتى الآن. فاسمحوا لها أن تحتل هذه المساحة ، فلعل هناك من تعني له شيئاً !

عنوان الصورة :

Best Friends

***********

You are currently browsing the 3ain Saqr blog archives for June, 2010.