يومٌ آخَر
أشباحاً نأتي
كلَّ صباح
أشباحاً نذهبُ
كلَّ ظهيرة
أشباحاً نهرولُ
بين الممراتِ المثقوبة
بالنشرات والدعواتِ الرصينة
……………..
تنقرُ عيوننا
الحوائطَ البيضاءَ النظيفة
ككراتِ البنغ بنغ
وترتدُّ إلينا
دون أن تتعرّف الوجوهَ والأسماء
ودون أن تُقشِّرَ سفرجلَ النوافذ
أو تعتصرَ برتقالَ الأبواب
لتمتصَّ رشفةَ الفطور الصباحي
………………
تهوّمُ ابتساماتُنا الصائمة
في ظلال الوقت الحائل
تهوّمُ كبلّوراتِ الثلج
لامعة
وباردة
وأنيقةَ الهطول !
……………
في صمتِ مكتبي
يطالعني إصيصُ الزرع
مجلوّاً بشعاعِ الساعةِ العاشرة
وذرّاتُ الهباء
تهطلُ بسخاءٍ
فوقَ اخضراره !
* * *
قصة الأمس
هذه اقتباسات من كتاب (أبناء السندباد) للرحالة الأسترالي ألن فيلييرز ، يوثق فيها لمظاهر الحياة في الكويت حينذاك (1938م وما قبلها) ، نستأنس بها هنا ، استعادةً لعبق الذكرى وتسجيلاً لوقفة وفاء :
” كانوا يغنون جميعاً (على البوم) ، وكان الجهد المبذول في الغناء كافياً وحده لارهاق أي رجل عادي قوي البنية في ذلك المناخ القاسي , فقد كانت العضلات متوترة والعرق يسيل على سطح المركب دون أن يهتم به أحد . . . لقد كانوا يغنون بتلك القوة الهائلة المنبعثة من رجولتهم الجامحة , وكانوا يغنون بعنف وقوة تنبعث من حناجرهم كافية بحد ذاتها لرفع تلك العارضة ” .
” كانوا يدقون الأرض بأقدامهم ويصفقون بأيديهم المقروحة تصفيقاً يتمشى من الأغنية , فتصدر عن تصفيقهم أصوات كأنها قرع الطبول . . .
وهكذا كان عبداللطيف يغني وقسمات وجهه تتلوى , بينما كان ظهره العريض مشدوداً للعمل .
وقفز بحارة آخرون يتسلقون الحبال كالقردة ويد أحدهم فوق يد الآخر , بينما الحبل يمر من بين أصابع أقدامهم . وتابعوا تسلقهم وأجبروا الحبال على النزول , ثم تساقطوا وأجسادهم تقطر عرقاً وهم يصيحون”.
” كانوا يبدؤن يومهم بالوضوء والصلاة . وفي صلاتهم كانوا دائماً يولون وجوههم شطر مكة , ويفرشون الوزرة أو الكوفية على الأرض أمامهم , فلم يكن فقرهم يساعدهم على امتلاك حصيرة أو سجادة خاصة للصلاة , ويقفون دقيقة صامتين خاشعين متناسين كل هموم الدنيا ومشاكلها . ثم يبدؤن القيام بسائر حركات الصلاة وشعائرها بشكل بسيط ومتناسق . وكان أمراً ممتعاً لي أن أراقب التغيرات التي تطرأ على وجوههم , فقد كانت الملامح القاسية تخشع وتلين, ويخبو البريق الذي يشع في العادة في العيون المتغطرسة , ويتلاشى كل ما يمكن أن يكون هناك من الصلف والعجرفة والغرور . فلم يكن هناك أي رياء أو نفاق في تلك الوجوه القوية المتجهة الى مكة , وكان من الواضح أن دينهم كان بالنسبة لهم أمراً جوهرياً وحقيقة حية , فلم تكن صلاتهم مجرد أدعية تتلى وتراتيل تردد , بل كانت وسيلة للاتصال الحقيقي بإله يؤمنون بوجوده ايماناً قوياً . فلم يكن أحد منهم يصلي على عجل بل كانوا دائماً يقضون بضع لحظات في بداية الصلاة في خشوع وتأمل وصمت يخلصون خلالها من التفكير بأمور الدنيا , وكنت أرقبهم وأنا أغبطهم على ذلك , لأني لم أكن أستطيع أن أتخلص من التفكير في الأمور الدنيوية بتلك السهولة ” .
” وقد أدهشتني بساطة النظام المتبع على المركب , وهو نظام لا يحتاج الى مجهود كبير , كما أعجبني جداً ذلك التناغم والوفاق والسعادة الدائمة التي كانوا يعملون في ظلها . وربما كان ذلك راجعاً الى أنهم كانوا فقراء لا يملكون سوى القليل من الملبس وبعض البضائع التي كانوا سيتاجرون بها ولا شئ غير ذلك , أي انهم في واقع الأمر لم يكونوا يملكون شيئاً . وقد بدأت بعد فترة من الزمن أتساءل عما اذا لم تكن فكرة جيدة ألا يملك المرء شيئاً من حطام الدنيا على الاطلاق ” .
…………………………………………..
” وهكذا غادرت الكويت عن طريق البر الى البصرة فأوروبا , وكنت حزيناً وأنا أترك المدينة وراء ظهري . لقد كان للبلاد حظها من المشكلات ألا أنها كانت أقل من غيرها من البلدان المشابهة لها في المساحة , كما كان عليها أن تتغلب على كثير من المصاعب أيضاً. وقد تمكنت حتى الآن من حل مشاكلها والتغلب على صعوباتها , وليس هناك من سبب يجعلها عاجزة عن مواصلة ذلك في المستقبل . فمراكبها وبحارتها معروفون بسمعتهم الطيبة في طول البحار الشرقية وعرضها , وبريق لؤلؤها مشهور في باريس ونيويورك , وتجارها يلاقون كل احترام من سوريا الى سنغافورة ومن القاهرة الى كاليكوت بالهند . وهي مكان لطيف جميل يعيش فيه المواطنون بسلام ووئام , ويساعد فيه التجار الأغنياء الفقراء من المواطنين بحسب تعاليم الاسلام , ويتصرف الشيخ كوالد للجميع .
وبينما كنت أغادر المدينة في وضح النهار , وأرى قوافل الجمال وهي تدخل اليها محملة بالعوسج وحطب الوقود قادمة من الصحراء , وفريقاً من الصبية وهم يسوقون حميرهم بمرح الى حيث الآبار التي يملأون منها قربهم بالماء الصالح للزراعة , كنت أشعر بالحنين الى البقاء هناك حيث يمكنني أن أشتري (البغلة ) التي تعجبني , وأجالس الرجال الحكماء الأجلاء موسماً آخر , وأتعلم المزيد من فنون الملاحة في البحار الشرقية . كانت الشمس تسطع باهرة في سماء صافية خالية من الغيوم , الا أن الجو لم يكن شديد الحرارة , بل كان معتدلاً لطيفاً , والهدوء والسكينة يلفان كل شيئ . وعندما كنت أنظر الى علم الكويت الأحمر وهو يخفق على قصر الشيخ وعلى جميع المراكب الراسية في الميناء كنت أقول في نفسي ها هو علم أود لو استطعت الابحار وأنا أرفعه على مركبي , كما أود لو استطعت أن أعيش في ظله مرة أخرى. وداعاً يا كويتي العزيزة ! حق لك أن تفخري برجالك الذين يبنون المراكب العظيمة وببحارتك الذين يبحرون على ظهورها الى أقاصي الأرض ” .
* * * * * *
ما الذي تفعله بنا الموسيقى ؟
(كتب عبدالرحمن حلاق / صحيفة أوان / عدد 23 /2 /2010م ) :
ترى ما الذي تفعله بك الموسيقى؟
في إحدى أزماتي النفسية، أيام كنت شاباً يافعاً مقبلاً على الحياة، عدت إلى البيت لا رغبة لي في الكلام أو سماع أي أغنية كانت. مع أني كنت يومها مغرماً بأم كلثوم ومن قبلها فيروز، نظرت إلى مكتبتي الصوتية ثم تناولت شريطاً للعازف العالمي «منير بشير»، كانت موسيقاه في هذا الشريط تعتمد العود والناي والإيقاع فقط. وبصوت هادئ جداً بدأت أنغام منير بشير تفتح أمام عينيّ المغمضتين دروباً، وبدأت رويداً رويداً أشعر بأنامل الهدوء والراحة تمتص من أعصاب جسدي كل أنواع التوتر والانفعال اللذين سببتهما أزمتي النفسية تلك، أيقنت يومها أن للموسيقى سحرا ما، وصار منير بشير ذلك الساحر الذي يمتص الكثير من توترات الحياة وما أكثرها في سن الشباب. كان بموسيقاه يمنح الروح قدرتها على الانفلات من أسر الانفعالات الكئيبة. مع منير بشير تعلمت أن الموسيقى ليست آلة للرقص أو الغناء إنما هي في الأصل علاج .
ولأني عربي مأخوذ بعقدة الغرب، رحت أبحث عن أنواع العلاج هذا في الموسيقى العالمية، سمعت بيتهوفن وباخ، وتشايكوفسكي وكورساكوف وموزارت وبيلّوس وجورج بيزيه وكارل أورف، سمعت شتراوس وبكانيني، سمعت ما سمعت، أعجبني بعضها ونفرت من بعضها، ولم أستطع استقبال بعضها الآخر، لكنها جميعاً علمتني كيف أتقبل الآخر وأحترم نتاجه الإنساني.. والأهم من ذلك علمتني كيف أن الموسيقى تفتح مسارب خاصة للمعرفة تمكّن العقل من أن يتجاوز آفاقه ويوسع من مداركه، فعرفت أن الموسيقى معرفة وليست مجرد أصوات لاستثارة الغرائز .
بعد عقود ثلاثة، وبعد أن تقاذفتني الريح في شتى الجهات، كنت خلالها أغفل كثيراً عن سماع أي شيء، أهداني ولدي البكر، وقد أضحى في ريعان شبابه، مجموعة معزوفات لذلك المبدع الجميل «نصير شمة»، وضعتها في فلاش السيارة وصرت أستعين بها على طول الطريق بين البيت والمدرسة.. فور سماعه أدركت ما علق بالروح من أدران وما تراكم على الدماغ من صدأ بفعل واقع بات فيه الجمال من النوادر، كنت أشعر وأنا أسمع نصير بذلك البلسم الذي يفتت ما تكلس على أوتار الروح وبأبواب العتمة تنفتح على ألف أمل، أدرك أن نصير انطلق في موسيقاه مما قاساه من آلام على المستوى الشخصي وعلى المستوى الشعبي وعلى المستوى الوطني، فكانت نغماته ممزوجة بالألم ومفعمة بالأمل أدركت حينها أن الموسيقى ليست مجرد أصوات لرقص مبتذل إنما هي في الواقع طموح وتجاوز .
ما الذي تفعله الموسيقى بك؟ سؤال ينفتح على احتمالات شتى، وما ذكرته ليس إلا حالة شخصية بسيطة، وقد تكون لغتي أقصر من أن تعبر عما تفعله الموسيقى بالفعل في ظل الدراسات الغربية التي تردنا حول أثر موسيقى موزارت في تنشيط الذاكرة أو زيادة نمو أنواع من النباتات، لكن ما أدركه تماماً هو أنها تقوم بنوع من إعادة برمجة الذاكرة، تماماً كما تقوم رائحة زهرة فواحة بإعادة برمجة الدماغ وتنشيطه من جديد .
* * * * * * *
الرحلة أمتع من الوصول
إن رحلة الحياة بمتاعبها وجمالها أمتع من الوصول . فالسعادة تكمن في (الآن) وليس بعد دقيقة ، هنا وليست في مكان آخر .
ينقصنا فقط أن نتخذ قراراً حقيقياً بأن نكون سعداء ، وأن نلتفت حولنا ونتأمل التفاصيل الدقيقة الجميلة التي تحيط بنا . فغالباً ما ينهمك كل منا في أوهامه وطموحاته السرابية ويسرع الخطى للوصول إلى غايته دون أن يلاحظ أشياء أكثر رقة وعفوية وبساطة على جانبي الطريق .
هناك بعض الأشياء التي تحسّن إحساسك بنفسك والحياة ، وتجعلك تستشعر السعادة التي ربما تكون فقدتها تدريجياً ، مثل :
· فكّر دائماً في الأشياء الجميلة التي تمتلكها بالفعل ، مثل نعمة الأبناء ، نجاحك في عملك ، صحتك ، استقرارك في علاقتك الأسرية أو صداقاتك ، موهبة تمتلكها ، منزل مريح ودافيء . . إلخ .
· لا تفكر في الماضي إلا لتتعلم من أخطائك فيه وتتخذ منه دافعاً قوياً للتغيير للأفضل ، لكن لا تكن أسيراً له فتفسد على نفسك المستقبل ومتعة الحاضر .
· عش اللحظة كأنها جوهرحياتك ، فنحن لا نضمن مستقبلاً لا نعلم عن مفاجآته شيئاً ولا نملك ماضياً أفلت من أيدينا بحلوه ومره . لذا فاللحظة الراهنة هي الشئ الوحيد الذي نملكه . استمتع بها وتواصل بحب مع كل شئ وكل شخص يحيط بك .
· لا تستسلم للنقد الجارح أو التقليل من شأنك ، ولا تنبهر بالإعلاء منك والإطراء الشديد ، أي لا تجعل نفسك أسيراً لتقييم الآخرين لك . افعل ما يجب أن تفعله ويتفق مع قناعاتك ومبادئك من دون أن ترهن نفسك لرأي الآخر فيمتلكك ويسيطر على مشاعرك وقدرتك على النجاح .
· من الأشياء التي تنغص علينا الحياة توقعاتنا المرتفعة من الآخرين . لذا افعل الخير لأنك تحبه ويتسق مع رؤيتك للحياة ، وساعد الآخرين من دون توقع كبير لردود أفعالهم الإيجابية أو امتنانهم لك ، فهم إن فعلوا فهذا شئ جميل ، وإن لم يفعلوا فلا تتأثر سلباً ، لأنك في الأصل لم تفعل الخير أو تصنع معروفاً لأجلهم ، بل من أجل القيمة واستمرار المعنى الذي تؤمن به .
· احتفظ لنفسك بهوية خاصة بك ، وتدرب على ألا تذوب في الآخرين . فالمسافة تضمن لنا الرؤية الواضحة والتعامل الآمن مع الآخر ، فنظل نحبهم ونقدرهم لكن لا نستسلم لأفكارهم ورغباتهم ولا نرهن سعادتنا أو تعاستنا بهم .
· كن مؤمناً بأن للقدر كلمته الحاسمة ، وأن هناك أموراً لا يمكننا التدخل فيها وتحويل مسارها ، لكن يمكننا التكيف والتوافق معها وتحسين نتائجها وآثارها علينا . فمن يرزق بطفل معاق أو يفقد عزيزاً لديه أو يصاب بمرض خطير ، يمكنه أن يتقبل الأمر بنفس راضية ومحاولة لتحسين ما يقدر عليه واستشعار السعادة فيما تبقى له ، أو يرفضه بعناد وصلف فيفقد القدرة على مواصلة الحياة والموت ألف مرة في اليوم الواحد !
· امنح نفسك فرصة الوحدة الاختيارية . استمتع بسماعك صوت ذاتك ، تأمل نفسك ومن حولك ، فكر في حياتك ، ضع خطة حاسمة لتطوير نفسك ، استعد جسمك وروحك ، فالاختلاط الزائد والتيه في العالم يفقدنا متعة الاختلاء بالنفس ولو قليلاً .
· وأخيراً لا تخض صراعاً إلا إذا فُرض عليك ، ولا تشعل معارك كثيرة من أجل نتائج تافهة . من الأفضل أن تدخر جهدك ووقتك وطاقتك لبناء نفسك وتطوير حياتك أكثر من إهدارها في هدم الآخرين أو مكافحة مكائدهم ، اتركهم لأنفسهم وثق بعدالة القدر .
*********************
(*) صحيفة أوان الكويتية / ذات عدد
تعالوا نحكي عن الحب
يأتي (عيد الفالنتين) أو لا يأتي ، يظل الحب شجرة مباركة ينضوي تحت أغصانها
كل السعداء والبائسين أيضاً ، ليعيشوا خصوبة اللحظة أو انتظار الحُلم .
وحين تجيء المناسبة فلا بأس من (التحديث) لمشهد سابق .
جعل الله حياتنا محبة دائمة وحلماً لا ينتهي .
******************
” تعالوا نحكي عن الحب ”
اعتادت صديقة عزيزة لنا أن تطلق هذه الجملة المبهجة ، كلما أخذتنا شجون الحديث إلى ما يسبب التوتر أو يجلب الهم . وكانت هذه الجملة السحرية كفيلة بأن تريق البسمة على الوجوه ، وتشذب المشاعر المشعثة ، وتأخذ النفوس إلى حديقة الندى وحنين التذكر .
وأنا إذ أستعيد هذا الطقس الخاص ، أستحضر كلمات غالية ل(جبران خليل جبران) أراها من أجمل ما أبدعه من تأملات في أحوال الحب وتفاصيله .
فإلى صاحبة الجملة الشهيرة والأثيرة أهدي هذه البوست :
البعض نحبهم
لكن لانقترب منهم
فهم في البعد أحلى
وهم في البعد أرقى
وهم في البعد أغلى .
والبعض نحبهم
ونسعى كي نقترب منهم
ونتقاسم تفاصيل الحياة معهم
ويؤلمنا الابتعاد عنهم
ويصعب علينا تصور الحياة
حين تخلو منهم .
والبعض نحبهم
ونتمنى أن نعيش حكاية جميلة معهم
ونفتعل الصدف لكي نلتقي بهم
ونختلق الأسباب كي نراهم
ونعيش في الخيال أكثر من الواقع معهم .
والبعض نحبهم
لكن بيننا وبين أنفسنا فقط
فنصمت برغم ألم الصمت
فلا نجاهر بحبهم حتى لهم
لأن العوائق كثيرة والعواقب مخيفة
ومن الأفضل لنا ولهم أن تبقى الأبواب
بيننا وبينهم مغلقة .
والبعض نحبهم
لأن مثلهم لا يستحق سوى الحب
ولا نملك أمامهم سوى أن نحب
فنتعلم منهم أشياء جميلة
ونرمم معهم أشياء كثيرة
ونعيد طلاء الحياة من جديد
ونسعى صادقين كي نمنحهم بعض السعادة .
والبعض نحبهم
لكننا لا نجد صدى لهذا الحب في قلوبهم
فننهار وننكسر
ونتخبط في حكايات فاشلة
فلا نكرههم ، ولا ننساهم
ونبكيهم بعد كل محاولة فاشلة .
والبعض نحبهم
لأننا لا نجد سواهم !
وحاجتنا إلى الحب تدفعنا نحوهم
فالأيام تمضي ، والعمر ينقضي
والزمن لا يقف
ويرعبنا أن نبقى بلا رفيق !!
……………………..
تلك كانت تفاصيل الحب وغصونه المباركة ، وما على كل منا سوى أن يطابق بين هذه الصور وبين شخوص أحبته في محطات الحياة والزمن .
**************
* * * * * * *
مؤتمر
يلهثُ بين أوراقهِ
كحصانٍ جامح
يستطلعُ بشائر َالمطر
وأعرافَ الريح
. . . . . .
وكبدويّ جسور
يحاولُ أن يقتفيَ
منابتَ الكمأ الطازج
ويسبرُ غورَ الغدران الجوفية
وهُمْ …..
في غابة المقاعد الوثيرة
يجلون مراياهم
ويعدّلون ربطاتِ العنق
ليظهروا أكثر منه أناقةً
ووسامة !
وأشد جموحاً !
. . . . .
في مقعدي المعلق كنقطة أخيرة
أراقبُ كيف تتبعثرُ الجياد
وتفترقُ الطريق !
********
صباح الخير يا عزيزتي
جاءني صوتكِ البارحة مفعماً بالغياب ، وملتبساً بالمرض بعد أن خانتكِ ساقكِ – وغالباً ما تخوننا أعضاؤنا – فأقعدتكِ الفراش . فألف لا بأس عليكِ ، وصباحكِ خير كبياض الفُلّ ورائحته .
كسحابة في الأفق تبقين معلقة ، وجاهزة – دائماً – للظل أو المطر ، فغيابك لم يكن يوماً موحشاً ، لأنكِ رهن الحضور حين يستدعيك الخاطر أو يناديك جرس الموبايل أو خط النت في بيتك الأقرب إلى القلب ، وإن بعُدت مسافاته ونأت .
أكاد أتبع صوت رنين الهاتف وأدلف مع صوتي إلى صالتك الصغيرة ، لأجلس في مكاني الذي أعرفه ، وأتجسّد في زمن أليف كان لنا ، وأرى بأم عيني نافذتك الطويلة الوسيعة ، وأصّيص الزرع ، وأشياءكِ الصغيرة المبعثرة في المكان بفوضى محببة ، وأشمّ رائحة لطيفة رؤوم هي رائحة بيتك ورَوْحه .
كيف تجمعت الأسباب لتصوغ هذه الوشائج اللطيفة ، وتعطيها هذا البعد الروحي والنفسي والامتداد الزماني والمكاني الذي لا يَبلى؟! هل تذكرين مكانك في المكتب الثقافي في سفارة الكويت في لندن حين التقينا أول مرة؟ وحين تجاورنا في السكن في (بارك هاوس)؟ وحين تشاركنا الإقامة في (بيمبرج جاردنز)؟ وحين تسكعنا في الأحياء القريبة في الأصائل والأمسيات ، نذرعها من (كوينز واي) مروراً ب(موسكو رود) إلى بيتك ، أو من بيتك إلى (بورتابيللو رود) لتمتعي ناظريك على امتداد الطريق بتحف الأنتيك من المنمنمات وقطع الأثاث التي تستهويكِ ، ثم لتتنهدي برضى من شبع بالفرجة فقط ، لأن العين بصيرة واليد قصيرة ، ثم تعرّجي على السوبرماركت القريب لتشتري الخبز ومكونات السَلطة وعصير برتقال ودجاجة .
وفي نهاية المشاوير تأخذنا الطريق إلى بيتك دائماً ، لتؤكدي لي وللأعزاء من الأصدقاء أن للسَلَطة طعماً خاصاً ، ول(مقلوبة الدجاج) وصفة سرية ، وأن الخبز بالزعتر واللبنة المكورة والزيتون الأخضر أطباقٌ ملوكية فاخرة ، ما دامت قد أُعدّت بيديك وبنَفَسك . وتظل المائدة عامرة كمائدة السماء تطعمنا المن والسلوى والحنان والاحتواء ، وأنتِ تحومين حولنا وتسكبين لنا ، لتكوني كما الأم أول المضيفين وآخر الآكلين .
كانت الغربة معك وطناً ، وكان المنفى بقربك وسادة ونافذة على الهواء الطلق . فمعك دخلتُ (ألبرت هول) لأول مرة لنستمع إلى روائع الموسيقى الكلاسيكية ، وبصحبتك زرتُ المسرح وعرفتُ العروض الأصيلة الباذخة ، وبمعيتكِ تجولتُ في حواري (كوفنت جاردن) حيث المشغولات اليدوية والمنمنمات واللوحات العابقة بالخصوصية لفنانين لا يعرفهم أحد . ومعكِ أيضاً ركبتُ القطارات والحافلات إلى (وندزر) و(باث) و(أكسفورد) وضواحي الريف الإنجليزي ومتنزهاته . ومعك عرفتُ لذة اقتسام ومشاركة الصحن الواحد والوجبة الواحدة في مطاعم لندن ومقاهيها ، تماماً كما اقتسمتُ معك (الحلو والمرّ) والمكاسب والخسائر والضحكات والدموع ، فيا له من سجل ، ويا لها أيام !
قد يمر العمر وتنطفئ الأيام واحداً واحداً كشموع أعياد الميلاد ، وقد يصيب القلب الوهن فلا يضخّ غير الرماد والهشيم ، ولكن من لطف الرحمن أن جعل للروح هذه الكأس الأخيرة ، نرتشف منها الحنين ، وثمالة الوجوه الحاضرة في الغياب .
***********************
استراحة أعضاء هيئة التدريس
نجلسُ على الطاولات
لنحاكيَ أواني شرابنا الصباحي !
فواحدٌ يستطيلُ متسامقاً
ويفور وجهُهُ برغوة مغرية
ككأسِ عصيره الطازج
وأخرى تستديرُ منكفئة على نكهة غامضة
كفنجان قهوتها المُرة
وثالثة تتفتق برائحة النعناع
تماماً مثل شايها المُعطر
وهناك في أقصى الزاوية الخافتة الضوء
يجلسُ رابع بلا ملامح
ولم يكن أمامه غير قنينة ماء معدني !
أما أنا . . . فأجلسُ لأمدَّ يديَّ في الفراغ
أنتظرُ . . . . .
ما يأتي به النادل !
**********









